تقارير خاصة

الجولة الخامسة من المفاوضات تترك لبنان بين «المناطق التجريبية» ومطلب الانسحاب الإسرائيلي!

إسلام جحا - خاصّ الفجر

 

بينما كانت القوات الإسرائيلية تخرق وقف إطلاق النار في جنوب لبنان مستهدفة المدنيين، التأمت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في مقر وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن، في مشهد يعكس التناقض بين التصعيد الميداني والمساعي الدبلوماسية.

 

 

ويمثل الجانبَ اللبناني وفدان سياسي وأمني، فيما تتولى التوقيع السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى معوض، مقابل توقيع السفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل ليتر، وسط متابعة مباشرة من رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس.

 

وتأتي الجولة الحالية في ظل مناخ إقليمي جديد فرضته نتائج المحادثات الأميركية ـ الإيرانية في سويسرا، والتي أفضت إلى تفاهمات شملت الملف اللبناني، أبرزها الاتفاق على إنشاء خلية لخفض التصعيد ومراقبة وقف إطلاق النار تضم الولايات المتحدة ولبنان وإيران ودولًا وسيطة، فيما بقيت إسرائيل خارجها.

 

وتكتسب الجولة الحالية أهمية خاصة لكونها الأولى بعد تثبيت وقف إطلاق النار، كما تأتي وسط مؤشرات إلى تباين بين واشنطن وتل أبيب بشأن إدارة الملف اللبناني. فبحسب المعلومات، أبلغت الولايات المتحدة الكيان الإسرائيلي بانتهاء التفويض الذي كان يسمح له بالتحرك العسكري من دون قيود داخل لبنان، بالتزامن مع إطلاق القيادة المركزية الأميركية آلية جديدة لمراقبة وقف إطلاق النار والحد من أعمال العنف.

 

وتجري المفاوضات على مسارين: أمني وسياسي، يركز فيهما لبنان على تثبيت وقف إطلاق النار نهائيًا، ووضعِ جدول زمني واضح وقصير لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة جنوبًا، بما يسمح بعودة السكان وإطلاق عملية إعادة الإعمار. كما تتمسك بيروت بأن يتولى الجيش اللبناني حصرًا مهمة الانتشار في المناطق التي سينسحب منها الاحتلال، وأن يكون التنسيق عبر الوسيط الأميركي فقط ومن دون أي تواصل مباشر مع الكيان.

 

وتتصدّر «المناطق التجريبية» جدول الأعمال، وهي صيغة تقوم على انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من مناطق محددة وتسليمها إلى الجيش اللبناني الذي يتولى الأمن فيها وحصرِ السلاح بيد الدولة. وتشير المعطيات إلى أن النقاش يتركز بصورة خاصة على وضع خطة تنفيذية تبدأ بمنطقة زوطر، بحيث تنسحب منها قوات الاحتلال الإسرائيلي ويتولى الجيش اللبناني مسؤولية الأمن فيها كنموذج أولي يمكن البناء عليه لاحقًا. إلا أن لبنان لا يرفض المبدأ، بل يربط تطبيقه بانسحاب إسرائيلي فعلي من مناطق واقعة ضمن «الخط الأصفر» وبضمانات تمنع تكريس أي احتلال أو إنشاء مناطق عازلة دائمة، وصولًا إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.

 

في المقابل، تواصل حكومة الكيان الإسرائيلي التمسك بما تسميه «المنطقة الأمنية» في الجنوب. فقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير استمرار العمليات العسكرية للحفاظ عليها، فيما أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان قبل «تفكيك حزب الله بالكامل».

 

ويبرز ملف الإشراف على الترتيبات الأمنية كإحدى العقد الأساسية، إذ يتمسك لبنان بدور آلية المراقبة الدولية والوساطة الأميركية، وربما قوات «اليونيفيل»، بينما تدفع حكومة الاحتلال باتجاه لجنة تنسيق أمنية مشتركة يرفضها لبنان لكونها تعني شكلًا من أشكال التنسيق المباشر.

 

 

سياسيًا، تسعى واشنطن إلى الدفع نحو «إعلان نوايا» يتضمن تثبيت وقف إطلاق النار واحترام السيادة والحدود والامتناع عن أي أعمال تهدد أمن الطرف الآخر، إلا أن التقدم في هذا المسار يبقى مرتبطًا بمعالجة ملفات الاحتلال والانسحاب والترتيبات الأمنية.

 

ورغم أهمية الجولة الحالية، لا تخفي أوساط لبنانية تشككها بإمكان تحقيق اختراق فعلي. فبحسب مصادر مطلعة، لا تزال أزمة انعدام الثقة بين الجانبين تشكل العقبة الأساسية أمام أي تقدم، في ظل تمسك إسرائيل برفض المطالب اللبنانية المتعلقة بالانسحاب الكامل، مقابل إصرار بيروت على الحصول على جدول زمني واضح ومحدد للانسحاب باعتباره المدخل الوحيد لإعطاء المفاوضات زخمًا فعليًا.

 

وبالتوازي مع المفاوضات، كثّف لبنان اتصالاته الدولية. فتلقى رئيس الجمهورية جوزاف عون اتصالًا من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو أكدا خلاله دعم الولايات المتحدة لمواقف الرئاسة والحكومة اللبنانية الرامية إلى بسط سلطة الدولة وتعزيز سيادتها، ومتابعة تنفيذ تفاهمات سويسرا المتعلقة بخلية خفض التصعيد.

 

 

كما بحث عون مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نتائج المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية والوضع في الجنوب ومستقبل الوجود الدولي فيه، فيما تلقى رئيس الحكومة نواف سلام اتصالًا من ماكرون تناول انعكاسات مفاوضات سويسرا على لبنان والمنطقة والتحضيرات لمؤتمري دعم الجيش والقوى الأمنية وإعادة الإعمار.

 

وفي موازاة ذلك، تابع عون أعمال الوفد اللبناني في واشنطن، مؤكدًا أن خيار التفاوض أثبت جدواه باعتباره السبيل الوحيد لاستعادة الحقوق الوطنية، ومشددًا على أن الهدف النهائي يتمثل في استعادة السيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وأن لبنان «لن يقبل إلا بزوال الاحتلال الإسرائيلي عن جنوب لبنان».

 


الجولة الخامسة من المفاوضات تترك لبنان بين «المناطق التجريبية» ومطلب الانسحاب الإسرائيلي!