هل العالم على مشارف المواجهة الكبرى الفاصلة؟ _


حسن أوريد

لا أدري، هل يكون لقاء دافوس الأخير نعيا لنظام عالمي انتهت صلاحيته، أم حفل ميلاد نظام جديد؟ العالم الذي عهدنا ودرجنا عليه لقرن من الزمن انتهى، منذ أن تبدت معالمه مع نهاية الحرب العالمية الأولى، على أنقاض نظام توازن القوى بين الدول الأوروبية الذي قام بعد مؤتمر فيينا سنة 1815، وإرهاصات معالم نظام جديد مع المبادئ الأربعة عشر التي وضعها الرئيس الأمريكي ويلسون، ثم بعد الحرب العالمية الثانية، مع إنشاء الأمم المتحدة من أجل استتباب السلم والأمن، إلى ما بعد سقوط جدار برلين، وفرية النظام العالمي الجديد.

كانت معالم التصدع قد بدت مع أحداث زلزلت المبادئ الكبرى المزعومة حول النظام العالمي الجديد، منها الحرب على العراق 2003، إلى الحرب الروسية الأوكرانية 2022، فحرب غزة 2023.

ثم وقعت ثلاثة أحداث متتالية، في مستهل السنة الحالية، فأسقطت ورقة التوت، بشكل نهائي، عما يمكن أن نسميه تجاوزا "النظام العالمي"، مع التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا واعتقال رئيسها مادورو، ومع عزم الولايات المتحدة وضع اليد على غرينلاند، ثم مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن إنشاء مجلس للسلم يكون- ضمنيا- بديلا للأمم المتحدة، احتضنت أروقة مؤتمر دافوس مراسم ميلاده.

لم نعد في دائرة ما كان يسمى بعد الأزمة المالية لسنة 2008 "اهتزاز المواقع"، مع التمرد الذي سبق أن أبدته روسيا في اجتماع الأمن بميونخ في فبراير/شباط 2007، ولا في الوجه الجديد الذي بدت به الصين عقب الألعاب الأولمبية سنة 2008، وهي المحطة التي بزغت فيها إعادة النظر في الأحادية القطبية التي تقودها الولايات المتحدة.

دخلنا مرحلة جديدة يطبعها اهتزاز المعايير. ليست هي المواقع التي تغيرت، أو تتغير، مع بروز فاعلين جدد، وتواري آخرين، بل ما تغير ويتغير هو القواعد الناظمة للعلاقات بين الدول.

أستعمل تعبير "العلاقات بين الدول" وليس "العلاقات الدولية"، لأن التعبير الأخير يحيل إلى قواعد ناظمة، والحال أنها لم تعد قائمة. ران مصطلح الجيوسياسية على مفهوم العلاقات الدولية، أو تدبير النزاعات.

لا ينبغي أن ننظر إلى هذا التحول بمنظار أخلاقي، بناء على ما ينبغي أن يكون، أو معياري، بالاحتكام إلى القانون الدولي، بل بما هو كائن، أي نظرة واقعية، من أجل التفكير حول الاحتمالات الممكنة التي قد يمنحها هذا التحول للعالم.

لا يمكن للصغار أن يحيلوا إلى الأخلاق؛ لأن مسار العلاقات بين الأمم لم يقم بناء على الأخلاق ولو تم التذرع بها، ولا أن يدعوا للاجتماع بالقانون الدولي؛ لأنه لا يؤخذ به، إلا وفق ما يتماشى والمصالح.

المنطق الناظم للعلاقات بين الدول هو القوة، أو إن شئنا تعبيرا مستوحى من أدبيات هوبز، نعود إلى الحالة الطبيعية، حيث لا قواعد، ولا قيم، ولا مبادئ.

عزم الولايات المتحدة وضع اليد على غرينلاند فيصل، يؤشر على ما قبل وما بعد. منذ سنة، أعلن الرئيس الأمريكي ترمب في خطاب التتويج عن عزمه وضع اليد على غرينلاند. ربط بعدها المسألة بالأمن القومي للولايات المتحدة، ثم بنوع من الدَين الواجب على أوروبا حيال الولايات المتحدة، لأنها أنقذتها من مخالب النازية.

لن تتراجع الولايات المتحدة عن مطالبتها بغرينلاند، لأنها تندرج في أمنها القومي، ولو هي أبدت بعض المرونة، فيما يخص الأسلوب، بعدم اللجوء إلى القوة دون التراجع عن أهدافها.

لكن ماذا بعد؟ ذلك أن غرينلاند هي العاصفة الثلجية حين يتهاوى الثلج من شواهق الجبال ويطمر ما حواليه. وجزء كبير من هندسة العلاقات الدولية ستطمره ثلوج غرينلاند. أولها الناتو، وثانيها الاتحاد الأوروبي، وثالثها، الغرب نفسه، بصفته قيما.

لم يبدر رد فعل يشجب احتمال ضم غرينلاند من قبل روسيا التي لا ترى بعين السخط ضم غرينلاند، بنفس المنطق الذي بررت به ضمها شبه جزيرة القرم، حسب وزير خارجيتها سيرغي لافروف. وكيف تتأذى الصين من المنطق نفسه، وهي تراهن على ضم تايوان؟

تظل أوروبا وحدها، على اعتبار أنها وحدة، إلى جانب كندا، خارج كورس "قواعد" النظام العالمي الجديد؟ وهل تثبت الخطابة الفرنسية أمام القوة الأمريكية؟

التحليلات الأوروبية، وحتى في فرنسا التي تبدو الأكثر شجبا الموقف الأمريكي فيما يخص غرينلاند، تذهب، في نهاية المطاف، سواء داخل دوائر عسكرية، أو هيئات سياسية يمينية، إلى نظرة واقعية، أو ما تسميه الطأطأة لرغبات الولايات المتحدة، لحاجتها إليها في أوكرانيا.

لكن ماذا بعد؟ ما هي الانعكاسات المحتملة على هذه المقاربة الواقعية؟ وهل يسلم الاتحاد الأوروبي من الارتدادات الجيوسياسية التي قد تعصف به جراء اهتزاز الناتو؟ إيطاليا، وبولندا، وهنغاريا، لا تخفي توجهها الأطلسي، أو ممالأتها الولايات المتحدة، فكيف ألا ينعكس ذلك على الاتحاد الأوروبي المترنح منذ خروج بريطانيا منه؟

ويمكن أن نتصور المضاعفات الجمة داخل أوروبا وفي محيطها، إن غمر الثلج عربة الاتحاد الأوروبي.

وماذا عن الغرب؟ هل سيبقى كما كان؟ والغرب، ليس هو منظومة قيمية، أو العالم الحر، كما كان يسمى، بل هو، كما يعرفه بعض الإستراتيجيين، الناتو و"السبع الكبار"، وقد يضيف إليه البعض ما يسمى "العيون الخمس"، أي الأجهزة الاستخباراتية لخمس دول أنجلوساكسونية، وهي الولايات المتحدة، وبريطانيا، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا.

أضحت هذه المؤسسات التي هي القواعد، التي يقوم عليها مفهوم الغرب، مهددة. وحتى "العيون الخمس"، مع التصدع القائم ما بين الولايات المتحدة وكندا، قد لا تثبت.

أما قاعدة التبادل الحر التي كانت دعامة السياسة التجارية الأمريكية، والتجارة الرفيقة التي تعصم من الحروب، فقد تحولت إلى نقيضها، إلى سياسة حمائية، وحروب تجارية.

فهل تفضي السماء الملبدة للعالم إلى عاصفة كي يصفو الجو، كما في بيت لشكسبير؟ وبتعبير أقل حذلقة، أليس العالم على مشارف مواجهة كبرى؟

نعرف من خلال سابقة تاريخية أن نهم هتلر، ومنطق المجال الحيوي، ووضع اليد على إقليم السوديت فيما كان سابقا تشيكوسلوفاكيا، ثم ضم النمسا فيما عرف بـ"الأنشلوس"، هي جميعها ما حمل نذر الحرب العالمية الثانية، لكن المقارنات المستوحاة من التاريخ لا تصلح دوما لتفسير الحاضر، أو استشراف المستقبل.

الاحتمال الأرجح ألا تقوم حرب عالمية ثالثة؛ لأنها وصفة للانتحار الجماعي. وهل يكون البديل اقتسام العالم كأنه كعكة، بمناطق نفوذ؟ كل قوة ستنال نصيبها من الكعكة في إطار تسويات، أو "توازن قوى" جديد؟

وماذا عن دور أوروبا، الحاضر الغائب؟ حاضرة في خطابها، غائبة في ردهات التسويات؛ لأنها ليست منسجمة، ولا تمثل قوة عسكرية رادعة، ولا قوة أخلاقية مؤثرة.

القوة الوحيدة التي يمكن أن تنهض ضد هذا الانزلاق الخطير، هي الرأي العالمي الدولي، من أجل عقد اجتماعي جديد. يمكن فهم الانزياح الهوبزي (نسبة لهوبز، ولمنطق القوة) مرحليا، ولكن منطق القوة وصفة للانتحار الجماعي.

لعبة الكبار تنعكس على الصغار، سلبا وإيجابا. الحرب العالمية الثانية هي ما مكن شعوب العالم التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار من التحرر.

الحرب الباردة لم تكن بردا وسلاما على الشعوب الفقيرة، بل كانت حامية في أجزاء منها، وكانت ذات مضاعفات سلبية على أرجاء عدة من المعمورة. والتحولات الجارية على مستوى العالم تنذر بتداعيات كبرى على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

التحولات الكبرى تفتح فرصا لمن يحسن انتهازها، بحسن قراءتها.. لكن العالم الجديد لم تبرز معالمه بعد.

والمؤكد أن القوة ليست ضمانة للأمن والاستقرار والسلم، ولو نجحت في ذلك مرحليا. لا تصبح القوة فاعلة إلا إذا استندت إلى العدل، وكما في مقولة مأثورة تنسب لنابليون: يمكن أن نصنع ما نريد بالبنادق، سوى الجلوس عليها.

الجزيرة نت
هل العالم على مشارف المواجهة الكبرى الفاصلة؟ _ حسن أوريد