هذا الاعتداء في طهران _


معن البياري

جاءت أنباءٌ، قبل أيام، على نقل سفيرة فلسطين في إيران سلام الزواوي إلى المستشفى، بعد اعتداء نحو مائتي متظاهرٍ إيرانيٍّ أخيراً على مقرّ إقامتها، ما أدّى إلى إصابتها، وموظفين في السفارة، باختناقٍ وجروح. وأفيد بأن أفراد عائلة السفيرة وبعض الموظفين اضطرّوا للجوء إلى القبو، إلى حين وصول قوّة أمنية تدخّلت وأنقذتهم، وتعاملت مع المهاجمين. وذُكر إن أضراراً كبيرةً لحقت بمبنى المقرّ نتيجة حريقٍ واشتباكات. والظاهر أنه لولا لطف العليّ القدير، ومعالجة الأمن الإيراني الحالة، لتسبّب الاعتداء الشنيع، والمدان، بما هو أسوأ، فقد أطلق المرتكبون أعيرةً ناريةً صوب المنزل، وحاول بعضهم اقتحامه، وأشعلوا النار في موقف سيارات، واعتدوا على عنصر حراسة، على ما أوضحت السفيرة التي أطلّت، تالياً، على قناة تلفزيونية محلية (العالم)، وجاملت إيران بأنها "قدّمت دعماً معنوياً وسياسياً لامتناهياً لفلسطين في المحافل الدولية والأوساط السياسية".

لأنه منزل سفيرة فلسطين وحده من بين المقرّات والسفارات والقنصليات والممثليات العربية والأجنبية في طهران تعرّض لاعتداءٍ موصوفٍ أعلاه، يصبح السؤال بالغ الضرورة بشأن تفسير هذا الاستثناء، سيّما وأنه لم يبدُر من أي شخصيةٍ فلسطينيةٍ ذات حيثيةٍ أي تدخّل في شؤون إيران وشعبها والاحتجاجات فيها، ما يعني، بداهةً، أن هذا الاعتداء يُتناوَل برمزيّته، أي أنه يستهدف موضوعة فلسطين بعينها. ومن دون لفٍّ ولا دوران، إنه يعبّر عن غضبٍ مما قد يحسبُه المتظاهرون إنفاق السلطة الحاكمة في بلدهم أموالاً على الفلسطينيين، أو قوىً منهم، مع جهود تخصّصها بشأنهم. ولنا أن نقول إنه يعبّر، أيضاً، عن تبرّمٍ من "انصراف" الحكم إلى مواجهاتٍ مع الولايات المتحدة وإسرائيل بسبب فلسطين. وأن نقول أيضاً إن شريحةً (أظنّها واسعة) من الشباب الإيراني مُصابة بـ"الزهق" الشديد من هذا الملفّ كله، وإلّا ما معنى هذا العدوان، الغريب، على منزل سفيرة فلسطين (هل يعرف المعتدون أو لا يعرفون أنها سفيرة؟).

ليس من استطلاعات رأيٍ مستقلةٍ ومتجدّدةٍ تُنجز في إيران يمكن الوثوق بها تماماً، غير أن ما يُصادَف نشرُه عن نتائج مسوحٍ بين وقت وآخر، مع حذرٍ مبرّرٍ من التسليم المُطلق بها، يزوّد المراقب بمؤشّراتٍ كاشفة، من ذلك أن استطلاعاً أجرته مؤسّسة كمان (مركز بحثي في هولندا) في يونيو/ حزيران الماضي، أفاد بأن 11% فقط من الإيرانيين (كانوا 18% في استطلاع في 2022) يؤيدون الحفاط على "قيم الثورة ومبادئها"، وأن 70% لا يؤيدون استمرار النظام. وفي استطلاعٍ أسبق في 2014، أفيد بأن أكثر من 80% يؤيدون تغيير شكل العلاقة مع الولايات المتحدة، وأن 90% مع حذف شعار "الموت لأميركا". ولنا أن نخمّن أن الإيرانيين، بعد العدوانَين السافرَيْن، الإسرائيلي والأميركي، الصيف الماضي، على بلدهم ومنشآتٍ حيويةٍ فيها، واغتيال علماء وجنرالاتٍ منهم، صاروا أكثر رغبةً بالتخفّف من السياسات الإيرانية الراهنة تجاه الولايات المتحدة ودولة الاحتلال. وفي الوُسع أن يُرى في هذا السياق اعتداءُ متظاهرين ضد إجراءاتٍ اقتصاديةٍ، وينادون بمطالب معيشةٍ واجتماعيةٍ، على عنوانٍ فلسطينيٍّ في بلدهم. وقد حدّثنا صديقٌ يقيم في طهران أن "قناعات الإيرانيين تغيّرت كثيراً تجاه القضية الفلسطينية، إذ يكره كثيرون منهم أي شيء له صلة بفلسطين، ويعتقدون أن الموقف من القضية الفلسطينية سبب المصائب التي حلّت ببلدهم".

استهداف منزل السفيرة مفاجئ، فلا مقدّمات له ولا توابع، ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فإنه يضاف إلى أننا لم يحدُث أن وقعنا على أي خبرٍ يخصّ نشاطاً أو تصريحاً للسيدة سلام الزواوي، وهي في بلدٍ باهظ الأهمية. ولنتذكّر، مثلاً، أن مواطناً فلسطينياً، اسمُه إسماعيل هنيّة، سبق أن تولّى منصب رئيس وزراء فلسطين، اغتيل في طهران، المفترض أن سعادة السفيرة معنيّةٌ بالتحقيقات في الجريمة وإلى أين وصلت، وسنُنعَت كمن يحمل السلّم بالعرض لو سألنا عن مدى متابعتها هذا الشأن. ويمكن أن تنضاف مفاجأة إطلالة السيدة على قناة تلفزيونية لتحكي عن دعم إيران وشعبها القضية الفلسطينية إلى مفاجأة تعيينها، قبل أربعة أعوام، لمّا أدّت اليمين أمام الرئيس محمود عبّاس (في مقر إقامته في عمّان!)، وقد تذكّرْنا، في حينه، أن ثمّة سفارةً فلسطينيةً في طهران، ومفاجأة أخرى أن السفير السابق أمضى 40 عاماً في موقعه، والمدهش أن السيدة سلام هي ابنتُه (توفي بعد عام على وراثتها المنصب). ... كان المشتهى أن نُفاجأ بخبرٍ من نوع آخر عنها، غير استهدافها باعتداء كراهيةٍ آثم، ألف سلامات.

العربي الجديد
هذا الاعتداء في طهران _معن البياري