مصطفى عبد السلام
ببساطة، لا تتوقف طموحات دونالد ترامب عند السطو على نفط فنزويلا وثرواتها فقط، بل يريد التهام نفط وثروات ومعادن إيران والعراق والخليج وأوكرانيا وسورية وبنما وكندا والدنمارك والسودان ودول الاتحاد الأوروبي وأميركا اللاتينية، وغيرها من ثروات العالم، في إطار مطامعه التوسعية التي لا تتوقف.
فعقب توليه منصبه قاد ترامب أكبر حملة بلطجة تجارية في التاريخ عبر فرض رسوم جمركية مبالغ فيها على معظم دول العالم، بمن فيهم شركاء الولايات المتحدة التجاريون، والهدف جمع مليارات الدولارات سنويا تضاف للخزانة الأميركية التي تعاني من دين عام يتجاوز 38.5 تريليون دولار.
وسبق أن أعلن ترامب عدة مرات خططاً للاستيلاء على قناة بنما تحت ادعاءات منها سيطرة الصين على واحدة من أهم الممرات المائية في العالم، وبالفعل أعلن في مارس/آذار الماضي استعادة القناة مع استحواذ كونسورتيوم أميركي يقوده تحالف "بلاك روك" على أبرز ميناءين بنميين مقابل نحو 19 مليار دولار.
وعقب توليه منصبه هدد ترامب مرات بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، تحت مزاعم عدة منها أهميتها القصوى للأمن القومي الأميركي، وقال إنه سيجعل غرينلاند جزءاً من الولايات المتحدة، ولم يستبعد في تصريحات عدة استخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية لإقناع الدنمارك بتسليمها، بل عيّن قبل أسبوعين حاكم ولاية لويزيانا، جيف لاندري، مبعوثاً خاصاً إلى غرينلاند.
وقبل أيام كرر ترامب دعوته للاستيلاء على غرينلاند، وبداية هذا الأسبوع أثارت صورة نشرتها زوجة أحد أبرز مستشاري ترامب، جدلاً واسعاً، حيث أظهرت الجزيرة مغطاة بالعلم الأميركي مرفقة بتعليق مقتضب: "قريباً"، وجاء نشر الصورة في أعقاب الهجوم الأميركي العنيف على فنزويلا، ما فُهم على أنه رسالة مبطنة لغرينلاند والدنمارك.
ولا ننسى التحذير الذي أطلقه ترامب ضد قناة السويس ومطالبته في إبريل/نيسان الماضي بالسماح للسفن الأميركية، سواء العسكرية أو التجارية، بالمرور مجاناً عبر قناتي بنما والسويس، وتصريحه المستفز الذي قال فيه إن "القناتين ما كانتا لتُوجَدا لولا الولايات المتحدة الأميركية".
ترامب عارياً... إخفاقات اقتصادية ووعود لم تحقق
في ظل تلك المعطيات يجب ألا نلتفت إلى أحاديث جانبية منها الكلام عن مخاطر سياسة البلطجة التي يمارسها ترامب ضد دولة مستقلة هي فنزويلا، والتي توّجت باعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ونقلتهما جواً إلى الولايات المتحدة، وتداعيات تلك السياسة سلباً على الصورة الذهنية لأميركا، فهذا لغو من القول لا ينبغي الإنصات إليه وجدل لا يفيد.
ودعنا من المبررات التي يقدمها ترامب لتنظيف وجه الحملة العسكرية القذرة ضد كاراكاس، والزعم بأن مادورو هو أحد أكبر المتورطين في تجارة المخدرات عالمياً، وأنه متورط في تهريب المخدرات والهجرة غير النظامية في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، إلى الولايات المتحدة، فالرئيس الأميركي لم يقدم أدلة دامغة على مزاعمه.
ودعنا أيضاً من ادعاءات ترامب بأن هدفه من تغيير النظام في كاراكاس هو نشر قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في فنزويلا وغيرها من دول أميركا اللاتينية، فترامب أول من داس على تلك القيم وباعها مقابل أثمان وصفقات ودولارات واتفاقات.
دعنا من كل ذلك لنركز على شيء واحد هو أن أهداف ترامب من تلك الحملة العسكرية هي السطو على ثروات فنزويلا، سواء كانت النفط أم الثروات والمعادن الاستراتيجية والنادرة الأخرى. ففنزويلا هي خزان أميركا اللاتينية النفطي حيث تعوم على بحار من الثروات النفطية والمعادن بكل أنواعها، وتمتلك واحدة من أكبر الثروات الطبيعية في العالم.
وبنظرة إلى ثروات فنزويلا ستدرك على الفور سر أطماع ترامب بها، فعلى مستوى الخام الأسود فإن لدى فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكّد في العالم يقدر بنحو 303 مليارات برميل، أي ما يقارب 17% من احتياطي العالم، وهو ما يفوق احتياطيات السعودية وكندا.
وفنزويلا تمتلك خزاناً استراتيجياً للمعادن واحتياطات واسعة من الذهب والحديد والبوكسيت ومعادن أخرى، ولا سيّما في منطقة قوس التعدين في أورينوكو، التي تمتد على مساحة تقارب 112 ألف كيلومتر مربع.
ما يحدث في فنزويلا لا يمكن فصله عما يحدث في مناطق أخرى في العالم حيث يمارس ترامب البلطجة على أوسع نطاق عبر تنفيذ سياسات الضغط الأقصى والعقوبات والرسوم والتشهير، والهدف هو السطو على ثروات العالم، وتحويل الولايات المتحدة إلى قوة عظمى، اقتصادياً وسياسياً، وإطاحة الصين من المشهد العالمي. فهل ينجح؟