إياد الدليمي
بدايةً، لا بدّ من تأكيد حقيقة جيوسياسية راسخة، أن المنطقة العربية ليست مجرّد جزرٍ منعزلة أو مربّعات جغرافية يفصل بينها جدار عازل؛ بل هي كتلة من التفاعلات المتصلة التي تجعل ممّا يجري في أيّ ركنٍ منها اهتزازاً يرتدّ حتماً على سائر أطرافها. فكيف بنا والحدث الأهم اليوم يتمثّل في "إيران"؟ ذلك الجار الأصيل والقطعة المؤثّرة في التكوينات الإقليمية كافّة، تاريخياً وزمنياً.
ليست التظاهرات التي تجتاح المدن الإيرانية منذ أسابيع مجرّد هبّة عابرة، بل هي امتداد طبيعي، ونتاج تراكمي، لحركة احتجاجية شعبية مرّت عبر محطات تاريخية سابقة، غير أنها تبدو، هذه المرّة، مختلفةً تماماً، لا من حيث طبيعتها واتساع رقعتها فحسب، بل من حيث توقيتها الحرج في ظلّ التداعيات الزلزالية التي تشهدها المنطقة منذ 7 أكتوبر (2023).
يبدو النظام الإيراني اليوم في وضعٍ لا يُحسد عليه؛ فهو وللمرّة الأولى يجد نفسه وحيداً تماماً في مواجهة شعبه، بعدما فقد كثيراً من قوته الخارجية وزخمه الداخلي، وفشلت سرديّاته في إقناع جيل جديد يتوق للحياة. وعلى الرغم من أن الشعب الإيراني سبق له أن تظاهر مراراً محتجّاً على السياسات الاقتصادية المتردّية، إلا أنها المرّة الأولى التي يجد فيها هذا الشعب أن صدى صرخاته بدأ يخترق جدار الصمت الدولي، ويصل إلى العالم بشكل أوضح وأكثر ديمومة، رغم كل الإجراءات القمعية والمحاولات اليائسة التي اتخذها النظام لعزل البلاد رقمياً عبر قطع خطوط الإنترنت وشلّ قنوات التواصل مع الفضاء الخارجي. ولم يكن هذا "الانقطاع" سوى اعتراف صريح من النظام بأن الحقيقة باتت تشكّل التهديد الأكبر لبقائه.
وقطعاً، لا يملك أحدٌ الحق في محاكمة أيّ نظام سوى شعبه؛ فالسيادة حق أصيل للشعوب في تقرير مصائرها. ولكن إيران، بتركيبتها المعقّدة وتاريخها الممتدّ، لم تكن يوماً مجرّد "جار" عابر يغلق بابه على شؤونه الخاصة، بل هي جزء عضوي من معادلة الأمن والاستقرار (أو القلق) في الشرق الأوسط. وحين تندلع التظاهرات في مشهد وتنتقل إلى كرمانشاه وصولاً إلى قلب طهران، فإن صدى هذه الصرخات لا يتوقّف عند الحدود، بل يتردّد بقوة في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. وليس هذا الارتداد نابعاً من باب التضامن الإنساني فحسب، بل من باب "المصير المرتبط" بخيوط متشابكة ومعقّدة، أوجدها مشروع "تصدير الثورة" تارةً، وتوازنات القوى التي فرضتها المليشيات تارة أخرى.
يتخوّف بعضهم، عن وعي أو من دون وعي، من تداعيات سقوط النظام في إيران، وهو تخوّف يمكن وصفه منطقياً، بالنظر إلى ضبابية البديل؛ فلا أحد يدرك يقيناً كنه ما يمكن أن تحمله تداعيات هذا السقوط، ليس على صعيد الداخل الإيراني المُنهَك فحسب، وإنما أيضاً على صعيد دول الجوار. ولا ينبع هذا التخوّف بالضرورة من رغبة في بقاء النظام الحالي، بقدر ما ينبع من التوجّس ممّا قد يؤول إليه "الانفجار الكبير" في دولةٍ تمتلك أذرعاً عسكرية وعقائدية مغروسة في العمق العربي.
على الجانب الآخر، يبرز تخوّف من نوع مختلف؛ أن يفرز التغيير نظاماً موالياً للغرب، يعيد تمثيل دور "شرطي المنطقة" بأسلوب حكم "الشاه"، بكل ما يحمله ذلك من احتمالات تحالفٍ صريح مع إسرائيل. يحمل هذا السيناريو، في حال تحققه، دلالات مقلقة للأمن القومي العربي، فضلاً عمّا يمكن أن يشكّله من تهديد استراتيجي للجارة تركيا. وهذه الهواجس هي ما يدفع كثيرين من المراقبين إلى التحذير من مغبّة السقوط المفاجئ، متناسين أن النظام الحالي، وبذريعة شعار "تصدير الثورة"، لم يترك مكاناً للاستقرار طوال العقود الماضية.
بيد أن القراءة المتأنية توضّح أن تلك التوجّسات نابعة من قصر في فهم طبيعة ما قد تعدُّ "خدمات" قدّمها النظام الحالي للغرب وإسرائيل 47 عاماً؛ فمنذ اللحظة التي حطت فيها طائرة آية الله الخميني القادمة من باريس، بدأت رحلة استنزاف المنطقة. فقد قاد الثورة ليجهز أولاً على حلفائه في الداخل، قبل أن يجاهر بشعاره الكبير "تصدير الثورة"، مدّعياً أن طريق تحرير القدس يمرّ عبر "كربلاء". وهنا لا بد من وقفة مكاشفة: ماذا فعلت هذه السياسة الإيرانية عبر أربعة عقود؟
لم تفعل سوى زرع بذور "الطائفية السياسية"، وتهديد السلم الأهلي، وتفريغ طاقات المجتمعات في مليشيات مسلحة تحوّلت إلى سكاكين في قلب دولها؛ من حزب الله في لبنان إلى المليشيات العابرة للحدود في العراق، وصولاً إلى الحوثي في اليمن ومليشيات "فاطميون" وغيرها، إضافة إلى دوره المعروف في قمع ثورة الشعب السوري 14 عاماً، الأمر الذي حوّل الدول العربية إلى ساحات بريد لتصفية حسابات طهران مع العالم.
لا يمكن إغفال أن ما حققه كيان الاحتلال الإسرائيلي عبر بوابة "التطبيع" ما كان له أن يتم بهذا الزخم لولا "الفزّاعة الإيرانية". فقد استخدم النظام في طهران لغة التهديد والوعيد ضدّ الدول العربية كلّما اختلفت حساباته مع الغرب، ما دفع بعضهم إلى البحث عن تحالفات اضطرارية. كما ظلّ هذا النظام يزرع الخوف عبر برنامج نووي غامض، وعبر "التبشير الطائفي" في مجتمعات عربية أصيلة عاشت قروناً في وئام، قبل أن يلوّثها هذا النفَس الغريب.
وإذا كان شعار "فلسطين" الرافعة الأخلاقية التي حاول النظام تسويق نفسه من خلالها، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بكل تجرّد: ماذا قدّمت إيران لفلسطين في لحظة الحقيقة؟ فحين اجتاح مقاتلو حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عبر الجدار في "7 أكتوبر"، وتوقّع كثيرون أن "محور المقاومة" سيهب لنصرتهم ويفتح الجبهات، صُدم الجميع بالبرود الإيراني. بل إن قادة النظام الإيراني خرجوا عبر الإعلام مدَّعين عدم علمهم بالعملية، ليتركوا غزّة وحيدة تواجه آلة الإبادة، وليكتشف الجميع أن "وحدة الساحات" لم تكن سوى شعار للاستهلاك الإعلامي، وأن دماء العرب في فلسطين أو غيرها ليست سوى أوراق تفاوض على مائدة المصالح القومية الإيرانية.
في المجمل، من له الحق الأصيل في محاكمة هذا النظام هو شعبه، ولكن بما أن إيران دولة وازنة وجار لا يمكن إلغاؤه، فإن العرب اليوم بحاجة ماسّة إلى الانتقال من وضعية "المتفرج القلق" أو "صاحب ردّة الفعل" إلى وضعية "المبادرة والاشتباك الإيجابي".
علينا، عرباً، أن نعيد ترتيب أوراقنا، وألا ندع الأمور تجري بعيداً عن "رياح سفننا"، وألا نعيد تكرار خطأ مرحلة ما بعد غزو العراق، يوم أن وجد النظام الإيراني موطئ قدم له وغاب العرب، شعوباً وأنظمة. فإيران جار طبيعي وامتداد أصيل في جسد المنطقة، وما سيجري هناك سيجد صداه لوقت طويل في مدننا العربية.