د.جوزيف ديب
هذه بالضبط هي الحرفة التي يتقنها رجل يعرّف نفسه بأنّه deal maker (صانع صفقات)، لا يربح فقط من الحدث، بل يربح من إدارة احتمالات الحدث ومن امتلاك حق فتح باب التهدئة وإغلاقه وفق توقيت يخدم دفتر شروطه! عندما يتحرّك رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب في الشرق الأوسط، فهو لا يفعل ذلك بوصفه طرفاً بعيداً يكتفي بالتعليق أو بالتمني، بل بوصفه صاحب قرار يملك أدوات دولة هي الأقوى على الأرض. وهو يرى أنّ أي أزمة يمكن أن تتحوّل إلى ورقة قابلة للبيع، إذا أُحسن رفع كلفتها ثم التحكّم بإيقاع خفضها.
ولذلك، فإنّ ما قيل في الأيام الأخيرة عن تحريك قِطَع بحرية أميركية نحو الإقليم، وما يرافقه من خطاب يضع إيران في الواجهة ويستدعي «حزب الله» في الخلفية، لا ينبغي أن يُفهم كخبر عسكري منفصل عن الاقتصاد. وظيفة هذا النوع من التحريك في منطق ترامب ليست أن يبدأ الحرب بالضرورة، بل أن يرفع منسوب الاحتمال، فتتحوّل المخاطر إلى قيمة رقمية تنعكس فوراً على النفط والشحن والتأمين وقرارات الطيران. ثم تصبح هذه القيمة نفسها مادة تفاوض، فيتحوّل الأمن إلى شرط تفاوضي، بينما تتحرّك في العمق هندسة الموارد وسيادة الطاقة!
ومن هنا، يصبح السؤال حول إيران مختلفاً عن الأسئلة العاطفية التي تملأ الإعلام، لأنّ إيران في هذا التحليل ليست مجرّد خصم سياسي، بل محور موارد وطاقة وممرّات. وهي أيضاً جزء من حساب أميركي قديم منذ 1979، منذ خروج بلد غني بالموارد من نطاق النفوذ الذي كانت واشنطن تعتبره طبيعياً في زمن الشاه. ولذلك يمكن فهم عودة الطموح الأميركي تجاه إيران كعودة إلى فكرة مؤجّلة، تقول إنّ ترك محور طاقة بهذا الحجم خارج القبضة مكلف على المدى الطويل. واستعادة النفوذ لا تحتاج دائماً إلى احتلال ولا إلى إعلان، بل يمكن أن تبدأ بإعادة فرض الشروط على مسارات المال والطاقة والتصدير!
وهنا تظهر مؤشرات لا يجوز التعامل معها كحقائق نهائية، لكنّها تصلح كإشارات. منها استمرار حضور رضا بهلوي، ابن آخر شاه لإيران، المقيم في المنفى في الولايات المتحدة، والذي يُقدَّم في الخطاب المعارض كعنوان محتمل لمرحلة بديلة في الفضاء السياسي والإعلامي، بوصفه عنواناً للمعارضة ورمزاً لمرحلة محتملة. وهو رجل احتضنته الولايات المتحدة منذ عقود، لأنّ الدول الكبرى لا تُسقط أوراقها بعيدة المدى من حسابها، بل تُبقيها في التداول عندما تشعر أنّ لحظة السوق والموارد تسمح بصفقة أكبر من مجرّد جولة ضغط. وهنا يظهر منطق Resource Hegemony (هيمنة الموارد) وEnergy Sovereignty (سيادة الطاقة) كأفق اقتصادي لا كشعار سياسي!
حين يقول ترامب إنّ قوّة بحرية كبيرة تتّجه إلى الشرق الأوسط، وهو يضع إيران في صلب المراقبة، ثم يذكر في دافوس «حزب الله» ولبنان بوضوح، ويقول إنّ هناك ما يجب فعله، فهذا يعني أنّ «حزب الله» ليس هامشاً في المشهد بل نقطة ضغط تُستخدم لفتح ملف الدولة والسلاح في لبنان. هذا يأتي في توقيت يترافق مع مسار قائم جنوب الليطاني، وضغوط لتوسيع المراحل. وعندها يصبح وجود «حزب الله» جنب إيران منطقياً، لأنّ الرسالة ليست إلى طهران فقط بل إلى شبكة نفوذها في الإقليم، ولبنان هو الساحة الأكثر قابلية لأن تتحوّل فيها الإشارة إلى ضغط فعلي على الدولة والجيش قبل أن تتحوّل إلى مواجهة!
وعند هذه النقطة يبدأ الجانب الذي يهمّ TrumponomicsDoctrine (عقيدة ترمبونوميكس) كما يُقرأ اقتصادياً لا سياسياً. إذ إنّ السوق حين ترتفع فيه تعرفة المخاطر لا يميّز كثيراً بين الملفات، لأنّ المستثمر والتاجر وشركات التأمين لا يسألون عن منطق الشعارات بل يسألون عن الكلفة التشغيلية: هل ترتفع كلفة النقل، هل تضيق القنوات المالية، هل تتغيّر خطوط الملاحة، هل تتعطّل السياحة والتدفّقات؟ ولذلك قد يدفع لبنان ثمن التوتر حتى لو لم يكن هدفاً مباشراً، لأنّه اقتصاد سريع التأثر ويعيش على هواء الثقة أكثر ممّا يعيش على أدوات حماية مؤسساتية.
وفي المقابل، يبرز سؤال بديهي: لماذا يذكر ترامب لبنان في منتدى عالمي، وهو بلد مساحته 10452 كيلومتراً مربعاً؟ ولماذا يُدخل اسمه في خطاب دولي يفترض أنّه مخصص للكبار؟ الإجابة في التحليل الاقتصادي لا تتعلّق بحجم لبنان كسوق بل بوظيفته كموقع، لأنّ لبنان في شرق المتوسط ليس مجرّد نقطة على الخريطة بل مركز تقاطع يتصل بممرات وبحدود بحرية وبأفق غاز محتمل وبمسارات تصدير وبمعادلات إقليمية تشمل إسرائيل وقبرص ومصر وأوروبا. وهذه كلّها عناصر تجعل البلد الصغير قابلاً لأن يُستدعى عند لحظة تسعير إقليمي، لا بوصفه مركز القرار بل بوصفه جزءاً من معادلة التسعير الإقليمي. وهذا ينسجم مع عقيدة ترمبونوميكس حين تتحوّل الجغرافيا إلى أصل قابل للتسعير تحت عنوان الأمن!
أمّا مؤشرات الحضور الأميركي في لبنان، إذا قُدِّمت بحياد مهني بعيداً من لغة المؤامرة، فتعطي معنى وجود طويل الأمد. لأنّ مجمّع السفارة بحجمه الضخم ليس تفصيلاً بروتوكولياً بل منصة تموضع، والتعاون المعلن مع الجيش اللبناني والزيارات المعروفة لقاعدة حامات الجوية يكفيان لقول إنّ هناك اهتماماً عملياً بالشمال وبالمجال القريب من المتوسط. أمّا الشريط الممتد من نفق شكا باتجاه سلعاتا وصولاً إلى البترون وما فوقها، فهو شريط يقع مباشرة تحت جرف حامات وفي النطاق الجغرافي القريب من قاعدة حامات الجوية نفسها، وهو في هذا السياق يصلح كفرضية جغرافية لا كادعاء. بمعنى أنّ هذه الرقعة حين تقع ضمن نطاق حضور عسكري أو لوجستي لا تبقى مجرّد أرض، بل تتحوّل إلى قيمة كامنة يمكن أن تصبح ورقة تسعير عند لحظة الاقتضاء، كما في غرينلاند حيث حوّل الوجود الأميركي في قاعدة بيتوفيك Pituffik Space Base منذ الحرب العالمية الثانية الجغرافيا إلى ورقة تفاوض. لأنّ القيمة هنا ليست في حلم عمراني بل في وظيفة الموقع ضمن اقتصاد المتوسط!
ويأتي ملف الغاز، وهو الملف الذي يمكن أن يفسر كثيراً من التردّد والضباب من دون الحاجة إلى سردية سرّية، لأنّ واقع الغاز اللبناني يحمل عناصر تعقيد كافية لتفسير البطء. فهناك بلوكات بحرية ورخص وكونسورتيومات واستكشافات ونتائج لم تتحوّل إلى اكتشافات تجارية واضحة حتى الآن، وهناك نزاعات ترسيم وحدود كانت لسنوات جزءاً من سبب التأخير. وهناك أيضاً سؤال أكبر يتعلّق بالتسويق، لأنّ أي غاز لبناني في المستقبل لا يصبح ثروة بمجرّد اكتشافه، بل يحتاج طريقاً للتسييل أو النقل أو الربط، وهذه الطرق تمرّ حكماً عبر هندسة شرق المتوسط، حيث تتداخل مصالح دول وشركات وحسابات أوروبا، وحيث تسعى الأطراف الأقوى إلى أن تجعل مسارات الطاقة تمرّ من بوابات يمكن التحكّم بها.
ولذلك، من المنطقي أن يشعر اللبناني بأنّ الضوء الأخضر يتبدّل بين يوم وآخر، لا لأنّ الحقيقة تختفي بالضرورة، بل لأنّ لحظة الاستثمار في الغاز لا تُقرَّر في المختبر فقط بل على طاولة الإقليم أيضاً، وفي ميزان سيادة الطاقة يصبح التحكّم بالتوقيت والمسار لا يقلّ أهمية عن وجود المورد نفسه!
لهذا، وعندما نضع الصورة كاملة في النهاية، يصبح إدراج لبنان إلى جانب فنزويلا وغرينلاند وإيران خطوة تحليلية قوية لا مبالغة. فنزويلا تمثل منطق النفط والاحتياطي كأصل مغرٍ للسيطرة على الإمداد، وغرينلاند تمثل منطق المعادن والممرات والجغرافيا التي تُعاد تسعيرها تحت عنوان الأمن، وإيران تمثل منطق النفط والممرات وعودة طموح أميركي إلى محور طاقة خرج من المدار منذ عقود، ولبنان يمثل منطق شرق المتوسط: غاز محتمل، حدود بحرية، مسارات تسويق، ومنصة حضور تجعل البلد الصغير جزءاً من معادلة التسعير الإقليمي عندما ترتفع تعرفة المخاطر في الإقليم. وعند هذه النقطة تتضح الخلاصة التي تريدها عقيدة ترمبونوميكس كتحليل اقتصادي لا كإعلان سياسي: هيمنة الموارد وسيادة الطاقة لا تتحققان فقط بالسيطرة على الموارد نفسها، بل بالسيطرة على الشروط التي تحكم الوصول إلى الموارد وتسويقها وحمايتها. ومَن يملك رفع المخاطر يملك حق خفضها، وعند لحظة الصفقة تكون الكلفة الاقتصادية قد تحققت مسبقاً!