مادورو على السفينة.. القوة الأمريكية بين الشماتة والهيمنة _


عادل الحامدي

في التاريخ السياسي الحديث، نادرًا ما كانت الصورة مجرّد صورة، فهي في لحظات التحوّل الكبرى، تتحوّل إلى خطاب كامل، وإلى وثيقة سلطة لا تقل فتكًا عن البيان العسكري. صورة نيكولاس مادورو، الرئيس الفنزويلي المعتقل، على متن السفينة الحربية الأمريكية "يو إس إس إيو جيما”، كما نشرها دونالد ترامب ببرود مقصود، ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل تكثيفٌ فاضح لها.

منذ قرون، مارست الإمبراطوريات قوتها عبر الإخضاع العسكري، لكنها حرصت غالبًا على تغليف هذا الإخضاع بلغة القانون أو "رسالة الحضارة”. الجديد في لحظة ترامب ليس الفعل ذاته، بل الطريقة: لا حاجة للتبرير، ولا خجل من الشماتة، ولا محاولة لإخفاء فائض القوة. صورة واحدة، وتعليق من سبع كلمات، كانا كافيين لتحويل رئيس دولة إلى "غنيمة”، وتحويل سفينة حربية إلى منصة عرض سياسية.

اختيار "إيو جيما” لم يكن تفصيلاً تقنيًا. الاسم محمّل في الذاكرة الأمريكية برمز الإخضاع الحاسم في الحرب العالمية الثانية، وبصورة رفع العلم فوق أرض مهزومة. حين يوضع مادورو على متن هذه السفينة، لا يُعتقل فقط، بل يُسحب من سياق السيادة إلى سردية الهزيمة التاريخية، ويُعاد تعريفه لا بوصفه خصمًا سياسيًا، بل كأثر جانبي لانتصار مكتمل.

إن ما فعله ترامب يتجاوز إسقاط نظام في فنزويلا، إلى إعادة تعريف كيفية ممارسة الهيمنة الأمريكية. في تصريحاته اللاحقة، بدا رئيس الولايات المتحدة لا كزعيم دولة خاضعة لقواعد دولية، بل كمدير مسرح يشاهد خصمه يُقاد إلى الأسر عبر شاشة، ويحرص على إخبار العالم بأنه تابع المشهد لحظة بلحظة. هنا تتحوّل السياسة إلى عرض مباشر، ويتحوّل الاعتقال إلى مشهد استهلاكي موجّه للرأي العام.

الأخطر من الصورة ذاتها هو ربطها الصريح بالنفط. لم يتحدث ترامب عن الديمقراطية ولا عن حقوق الإنسان إلا عرضًا، بل جعل النفط الفنزويلي في قلب الرواية، معلنًا أن واشنطن ستدير المرحلة المقبلة، وأن شركاتها ستدخل بقوة. بهذا المعنى، لا تبدو فنزويلا دولة خارجة من أزمة، بل مساحة مُعاد تنظيمها وفق منطق الغنيمة الاقتصادية، حيث تُعاد كتابة الجغرافيا السياسية بلغة السوق.

إن الشماتة العلنية التي حملتها الصورة تمثل قطيعة مع تقاليد الردع "المهذب” الذي ساد الحرب الباردة. لم يعد المطلوب إيصال رسالة خفية، بل إهانة واضحة، لأن الإهانة بحد ذاتها أصبحت أداة من أدوات السيطرة. حين يُعرض رئيس دولة معتقلًا، فالمقصود ليس مادورو وحده، بل كل من يفكر في تحدي الإرادة الأمريكية خارج شروطها.

داخليًا، حمل المشهد رسالة تخويف للموالين، ورسالة تعليق مفتوح لمصير القيادة المقبلة. لم يعد السؤال: من يحكم فنزويلا؟ بل: متى وكيف تقرر واشنطن من يحكمها. أما دوليًا، فإن ثقة ترامب بغياب اعتراض صيني أو دولي، طالما بقي النفط في المعادلة، تكشف عودة منطق الصفقات العارية إلى قلب النظام العالمي.

في المحصلة، صورة مادورو على متن "يو إس إس إيو جيما” ليست حادثة إعلامية، بل علامة على مرحلة تُدار فيها السياسة بالصورة كما تُدار بالقوة. مرحلة يُعاد فيها تعريف السيادة من موقع المنتصر، ويُختزل فيها التاريخ الإنساني للشعوب في لقطة واحدة، تقول بلا مواربة: من يملك القوة، يملك الحق في السرد، وفي الإذلال، وفي تقرير مصير الآخرين.

من منظور علم الاجتماع السياسي المعاصر، لا يُعدّ هذا الاستعراض الفجّ للقوة علامة رسوخ، بل نذير اهتزاز. فالتجارب التاريخية المتراكمة، من ميشيل فوكو إلى منظّري الدولة الحديثة، تكاد تتفق على أن السلطة حين تُمارَس بلا مواربة، ويتحوّل الغرور إلى خطاب رسمي، تصبح هذه السلطة نفسها معرضة للانهيار من الداخل. فالقوة التي تتخلى عن الحكمة، وتستغني عن الحد الأدنى من التوازن الأخلاقي، تبدأ في تقويض شروط دوامها، مهما بدا سطوعها الخارجي مؤقتًا ومخيفًا.

أما نحن، أبناء هذا العالم الإسلامي المثقل بالخذلان، فلا نقرأ هذه الصور بمنطق اليأس ولا بمنطق التماهي مع المنتصر، بل بمنطق الثقة في عدالة الرحمن. فالإيمان العميق بأن الله لا يخذل المظلوم، وأن الظلم لا يدوم، يمنحنا قدرة أخلاقية على الصبر دون استسلام، وعلى انتظار الانتصار دون وهم الاستعجال. قد يتأخر ميزان العدالة في الزمن السياسي، لكنه لا يسقط في ميزان السماء، وكم من قوة بدت أبدية، ثم تهاوت حين حان موعد الحساب، ولو بعد حين.

صحيفة الشرق القطرية
مادورو على السفينة.. القوة الأمريكية بين الشماتة والهيمنة _عادل الحامدي