ما الذي بقي من الثورة التونسية والربيع العربي؟ _


رفيق عبد السلام

نقف هذه الأيام على أعتاب الذكرى السنوية للثورة التونسية (14 يناير/ كانون الثاني)، التي توّجت في العام 2011 بهروب حاكم قرطاج زين العابدين بن علي، بعد انطلاقتها الأولى من سيدي بوزيد والمدن التونسية الداخلية في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010، وما تبع ذلك من ارتدادات سياسية لاحقة في عواصم عربية كثيرة، ثم انكسارات لاحقة ما زلنا نعيش تبعاتها بدرجات متفاوتة على امتداد العالم العربي، مشرقاً ومغرباً. وقد أغرت هذه الانكسارات جهات عربية كثيرة بإعلان البهجة الاحتفالية بنهاية الثورات وموت "الربيع العربي"، خصوصاً بعد الإجهاز على هذه الثورات حلقةً بعد أخرى، من مصر والبحرين إلى اليمن وليبيا وأخيراً تونس، هذا إذا استثنينا الحالة السورية التي ما زالت في بداية مشوارها وتواجه عواصف هوجاء، نأمل أن تمرّ منها بسلام.
وعند التدقيق العميق، يتبيّن أن ما جرى قبل عقدٍ ونصف عقد كان في الحقيقة تغييراً متأخّراً أو مؤجّلاً. إذ كان من المفترض أن يدخل العالم العربي حقبة تفكيك الأنظمة السلطوية، أو في الحدّ الأدنى التخفيف من حدّة مخالبها ومضاء أنيابها، مع سقوط المنظومة الشيوعية في تسعينيّات القرن الماضي؛ فهي لم تكن في أحسن حال من أخواتها السوفييتية. لكن ما حصل إعادة تأهيل هذه السلطويات بقرار دولي، عبر تحويلها إلى ليبراليات اقتصادية مشوّهة ومن دون ليبرالية سياسية، تحت عنوان "الحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط". وهي العقيدة السياسية والأمنية التي حكمت (وما زالت تحكم) القوى الكبرى التي تداولت السيطرة على الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وولادة الدولة في المشرق العربي على أنقاض انسحاب العثمانيين الأتراك.

كان الخطاب الغربي يمارس نوعاً من الازدواجية، ولك أن تقول النفاق السياسي، بفائض الحديث عن الديمقراطية والحكم الرشيد، لكنه على أرض الواقع كان يحمي الأنظمة الفردية السلطوية تحت عنوان "الواقعية السياسية". أما اليوم، وخصوصاً في حقبة ترامب، فقد زالت هذه الهوّة بين الخطاب والممارسة من دون حاجة إلى التورية أو ممارسة النفاق؛ إذ لا يتردّد ترامب في التدخل وخطف الرؤساء وجلبهم للمحاكمة بمبررات الحاجة إلى النفط والمعادن وتثبيت المصالح العارية. ومنذ الأشهر الأولى لاندلاع ثورات الربيع العربي، سرت السرديات الدرامية بين كثير من الكتّاب العرب، بزعم أن هذا "الربيع" في طريقه نحو التحوّل إلى خريف كئيب. وما إن بدأت تظهر صعوبات التحوّل تباعاً، حتى انعطف الأمر باتجاه الحديث عن شتاء قاسٍ، والقول بفشل هذه الثورات جملةً وتفصيلاً. وهي رؤية تتساوق مع الرواية النمطية التي صنعها النظام الرسمي العربي، ومفادها أن هذه الثورات كانت مجرّد فتنة وشقاق تقف خلفهما قوى أجنبية وزمرة من المتآمرين. والمفارقة العجيبة أن الدول العربية المتحالفة عضوياً مع واشنطن، والتي ذهبت بعيداً في مسار التطبيع إلى حدّ التماهي الكامل، صارت هي نفسها التي تروّج هذه السرديات الوهمية، وتضع الثورات العربية في قفص الاتهام، وتحاكمها غيابياً.
المؤكّد أن ما جرى قبل عقدٍ ونصف عقد كان مفاجئاً للجميع، بما في ذلك القوى التي تصدّرت المشهد السياسي لاحقاً. فالشعوب التي كانت توصف بأنها سلبية وجامدة، وتحمل في ذاتها قابلية الخضوع للاستبداد والاستعباد، هبّت بحركة فجائية وجماعية مكّنتها من اقتلاع بن علي في تونس، ومن بعده مبارك في مصر، من كرسيَّيهما على وجه السرعة، وفي غفلة من النظام الدولي المنشغل بأزمته الاقتصادية (تبعات أزمة 2008) وتدخلاته العسكرية الفاشلة في العراق وأفغانستان. كان الأول يمثّل ضلعاً مهماً في النفوذ الفرنسي في شمال أفريقيا، والثاني يمثل مرتكزاً أساسياً للقوة الأميركية في المشرق العربي. بيد أن الخارج تمكّن من إعادة تهيئة نفسه وانتزاع زمام المبادرة من الشارع العربي مجدّداً من بوابة التدخل الفرنسي والغربي في ليبيا، ثم جاء بعد ذلك الروس والخليجيون والإيرانيون وغيرهم، كلٌّ بأجندته وحساباته وأولوياته، وأُقحِموا في ثورات الربيع العربي.
أما إذا وضعنا معطيات الماضي القريب المتعلّقة بالثورات العربية جانباً، وأمعنّا النظر في الحالة التونسية راهناً باعتبارها منطلقاً وربما مختبراً للربيع العربي، فهي على ما يبدو تبعث رسائلَ متداخلةً ومتناقضةً في الوقت نفسه. فمن جهة أولى تلقّت ضربات موجعة وضعتها على حافة الانهيار بعد انقلاب 25 يوليو (2021)، إذ تمكّن قيس سعيّد من إعادة إنتاج النظام السلطوي وتفكيك المؤسّسات التي بُنيت بعَنتٍ شديد وتضحيات كبيرة على امتداد السنوات التي أعقبت الثورة. وكان ذلك بعدما صعد عبر السلم الديمقراطي ثم كسره لاحقاً، وجاء محمولاً على دستور الثورة قبل أن يمزّقه ويطلق مقولته الشهيرة: "الدستور أكله الحمار".

وفي الجهة المقابلة، ما زال تراث الثورة بتناقضاتها كلّها وتوتراتها حاضرة في عقول التونسيين والتونسيات وقلوبهم، وفعلت فعلها في الواقع، السياسي والاجتماعي والنفسي، بأشكال مختلفة. ومن مظاهر ذلك تفكّك حاجز الخوف ونزع الهالة القدسية عن الحاكم؛ إذ لا يتردّد الناس في المجاهرة بنقده وتجريحه في المجالس الخاصة والعامة، بعدما ترسّخت ثقافة النقد والمساءلة بعد الثورة. وبموازاة ذلك، استمر الحراك الاحتجاجي بأشكاله وألوانه ضدّ الانقلاب رغم منسوب القمع المتصاعد، بل أخذ هذا الحراك في التمدّد أكثر فأكثر، خصوصاً بعد الالتقاء الميداني الذي حصل بين مختلف مكوّنات المعارضة التونسية ووحدتها في الميدان حول ما تسمّيه "الحدّ الأدنى الديمقراطي"، الذي يتلخّص في إطلاق سراح كل سجناء الرأي وعودة الحياة الديمقراطية المغدور بها.
ومن الواضح أن العالم العربي يمرّ بمخاض تحوّل عسير وقاسٍ تختلط فيه الأحلام بالخيبات، وتمتزج فيه نشوة الحرية بعذابات السجون والمنافي التي عادت تلقي بظلالها مجدّداً على المشهد العربي مشرقاً ومغرباً. وربما سيستغرق العالم العربي المنكوب بديكتاتوريات شرسة سنوات طويلة حتى يستعيد قدراً من توازنه المفقود، في ضوء تعاقداتٍ جديدة غير التي قام عليها منذ ولادة دولة "الاستقلال" العربية، فالقديم لم يعد يمتلك مقوّمات الاستمرار، مهما قاوم وعاند بشراسة بالغة، لكن الجديد لم تتشكّل ملامحه بصورة واضحة، وما زال يتلمّس طريقه وسط مقاومة وعناد ضاريين.
وما يزيد في حظوظ التغيير في العالم العربي أن الأوضاع التي تشكّلت على أنقاض الثورات العربية أشدّ سوءاً وأكثر فشلاً في جميع الواجهات، فمن يدّعي اليوم أن حقبة عبد الفتاح السيسي الطويلة في مصر أفضل من حقبة محمد مرسي القصيرة؟ ومن يقول إن سباعيّة قيس سعيّد القاتمة أفضل ممّا سمّاها أنصاره كذباً ودجلاً "العشرية السوداء"؟ لقد وفّرت الثورة التونسية الحرية والخبز، بينما صادر انقلاب سعيّد الحرية ولم يأتِ بالتنمية.
كان ممكنًا للعالم العربي أن يختصر الطريق والجهد ويقتصد في الأرواح والدماء لو جرى التقاط الفرصة التاريخية التي أتاحتها الثورات العربية، باتجاه حل المعضلة الكبرى التي كان (وما زال) يعاني وطأتها: معضلة السلطة وكيفية إدارتها وانتقالها بعيداً عن العنف الطبيعي. فكأنه كُتب على هذه الرقعة من العالم، المنكوبة بأشرس أنواع الديكتاتوريات، أن تسلك الطريق الوعر والوجهة القاسية لانتزاع الحرية وتهذيب أنظمة الحكم الباطشة.
واجهت الثورات العربية منذ بداياتها اصطفافاً إقليمياً شرساً عمل على إسقاطها أو (في الحد الأدنى) تحريفها عن مسارها، مستخدماً قوة المال والإعلام والتوجيه وغيرها. وهذا الأمر ليس حالةً خاصةً بالعالم العربي أو شاذّةً في التاريخ الحديث؛ فقد تعرّضت الثورات الحديثة كلّها، منذ الثورة الفرنسية، لمثل هذه التعقيدات والمعوقات. فقد كان الهدف الأسمى للممالك الإطلاقية الأوروبية، إلى غاية فاتحة القرن التاسع عشر، وعلى ما يذكر المؤرّخ البريطاني إريك هوبزباوم، إلحاق الهزيمة بالثورة الفرنسية والحيلولة دون اندلاع حالة على غرارها. إلا أن روح الثورات سرت في نهاية المطاف في عموم الفضاء الأوروبي، بل استدرجت خصومها واستنزفت قواهم، رغم كل الأتعاب والإنهاك اللتي أصابتها هي نفسها. ولم ينتصف القرن التاسع عشر حتى استحال أمر الملكيات الإطلاقية، إما إلى ملكيات دستورية أو جمهوريات شعبية، بعد تشكّل مفهوم السيادة الشعبية والسلطة المقيدة.

ربما يشكّل مشهد الخراب والارتداد الذي تقوده الثورات المضادّة، في الأمس واليوم، فرصةً لإعادة التفكير الحيّ في تجارب هذه الثورات ونَخْل مسارها، وتجاوز ما حل بها من عثرات وهنّات نتيجة أخطاء الداخل ودسائس الخارج، في ظل موازين قوى رجحت لصالح السلطويات العربية، فقد يكون مثل هذا الوجع التاريخي مدعاةً لمزيد من الوعي التاريخي المنفتح على المستقبل. نعم، هناك أخطاء ارتكبها الفاعلون السياسيون والاجتماعيون، مثل ما كانت هناك مشاريع كبرى لتخريب هذه التجارب في أكثر من موقع، لكن ذلك كلّه يجب أن يكون مصدراً لتحفيز الشباب العربي والأجيال المقبلة على المضي في مشروع التغيير بلا كلل أو ملل، فالثورات كتاب كبير لا تُدوَّن صفحاته كلّها سلفاً ولا يبوح بأسراره في البداية. وبعبارة أخرى، ما زلنا نعيش ديناميكية الثورات بتوتراتها وتناقضاتها كلّها، إذ تختلط الثورة بالثورة المضادّة، والحرية بالتسلّط، والضبط بالفوضى، وعودة مناخات الخوف بروح التمرّد، كأن الأزمنة السياسية هنا قد تداخلت بشكل فوضوي وسريع في زمن واحد، وبشكل غير مسبوق.
لدي قناعة عميقة بأن الثورة التي بدأت من تونس، وانقُلب عليها غدراً بادعاءات ثورية كاذبة وشعبوية مُضلِّلة، عائدةٌ مجدّداً إلى شوارع تونس وأحيائها وجهاتها، وستكون آثارها أوسع وامتداداتها أعمق ممّا فعلته سنة 2011. وهذا ليس حديث تمنّيات وتخرّصات، بل ما يؤشّر عليه واقع تونس القلقة والمضطربة.
لا أريد أن أتشبث بحتميات تاريخية استناداً إلى مقولات فلسفية هيغلية مجرّدة، من قبيل "روح التاريخ" أو "العقل الباطني للتاريخ"، لكن لا يساورني شكّ في أن ما جرى في ثورات الربيع العربي لا يزيد على أن يكون موجةً أولى ستعقبها موجات أخرى أكثر قوة وتصميماً. فالسلطويات العربية، رغم ما يبدو عليها من شراسة بالغة وسطوة فائقة، هشّة وضعيفة، وقد زادت في هزّ شرعيتها بإدارة ظهرها للقضية الفلسطينية وانهيارها أمام المشروع الصهيوني. فلا هي نجحت في تحقيق تنمية جدّية في الداخل، ولا هي وقفت على رجليها في مواجهة تحدّيات الخارج. وعليه، لا بدّ من الاستعداد لمرحلة ما بعد الترامبية الأميركية والسلطويات العربية الآفلة حتماً.

العربي الجديد
ما الذي بقي من الثورة التونسية والربيع العربي؟ _رفيق عبد السلام