مَن يُوقف هذا الجنون الإسرائيلي؟ _ د. وائل نجم

د. وائل نجم

كلّ شيء عاد إلى ما قبل وقف إطلاق النار في لبنان أو في غزّة كما لو أنّه لم يحصل أيّ اتفاق لوقف الحرب وآلة القتل المجنونة، ليس من جهة الطرف اللبناني أو الفلسطيني، إنّما من الطرف الإسرائيلي الذي لم يُقم أيّ اعتبار لا للاتفاقات ولا لرعاتها، ولا للقانون الدولي ولا للأمم المتحدة ولا لاتفاقات التطبيع مع بعض الدول العربية، ولا لكلّ هذه أو تلك. لقد مضى في جرائمه دون رأفة أو رحمة أو هدف سوى القتل لمزيد من القتل والتهجير والتشريد وإفراغ الأرض من أهلها ومن ثمّ السطو على خيراتها ومقدّراتها وثرواتها من أجل أن يتنعّم فيها ذلك "الشعب المختار" كما لو أنّ الشعوب الأخرى لا قيمة ولا وزن ولا كرامة ولا حقوق لها.

عادت الطائرات الإسرائيلية تهاجم المخيّمات في غزة، واللاجئين والخيم وهي تأوي النساء والأطفال وكبار السنّ من المدنيين، وذلك على مرأى ومسمع من المجتمع الذي يدّعي زوراً أنّه يريد حقوق الإنسان. يرتقي كلّ يوم عشرات الشهداء فيزيد كلّ يوم عدّادهم فضلاً عن عدّاد الجرحى والمشرّدين، ولا من يحمي الطفولة، ولا من يضع حدّاً لهذا الجنون والتغوّل الإجرامي.

في لبنان عادت الأمور إلى ما قبل السابع والشعرين من نوفمبر موعد الاتفاق على وقف إطلاق النار، ولكن من جانب واحد حيث لا يقيم الاحتلال أيّ وزن لذاك الاتفاق ويمضي في استهداف المدن والأرياف والناس في الطرقات تحت عنوان الحفاظ على أمن "مواطني إسرائيل". تُغير طائرات الاحتلال وسط الظلام وأجنحة الليل على الضاحية لجنوبية في بيروت، وعلى صيدا وصور في الجنوب غير آبهة بالمدنيين ولا بأطفال المدارس ولا بالمرضى في المستشفيات ولا بالمسنّين، ناشرة الخوف والقلق والموت والدمار، تريد أن تحصد المزيد من الأرواح، واستسلاماً تُرفع فيه الراية البيضاء، ويُعطى لبنان فيه لهم دون مقابل.

وفي سورية التي خرجت لتوّها من جحيم النظام البائد لم تسلم هي أيضاً من أطماع الاحتلال، فلم تتوقف طائراته منذ الثامن من ديسمبر العام 2024 عن استهداف مناطق واسعة في سورية تحت حجة وذريعة التخلّص من الأسلحة الاستراتيجية للنظام البائد. وقد كانت آخر اعتداءات الاحتلال التوغّل في بعض مناطق محافظة درعا وقد خرج الأهالي بسلاحهم الفردي للتصدّي لهذا الاحتلال.

مّن يُوقف جنون الاحتلال؟ من يضع حدّاً لهذا الجبروت؟

البعض يدعو إلى نزع الذرائع من يد الاحتلال من خلال التسليم له بكلّ شيء، من خلال التنازل عن ما بقي في أيدي الأمّة من نقاط قوّة ومن سلاح، ولا يعلم هؤلاء أنّ ذلك لن يوفّر للأمة حماية ولا للمدنيين أمناً وسلاماً! بل على العكس من ذلك تماماً سيجد الاحتلال، إذا ما حصل ذلك، سيجد الطريق أمامه معبّدة لأخذ كل شيء دون مقابل، بل لسوق الجميع إلى المقصلة من أجل رعاية أجيال جديدة لا يعنيها الحفاظ على الأرض والعرض والكرامات والثروات. ولذلك ليس من الحكمة التنازل أو التخلّي عن أيّة نقطة قوّة في أيدي أبناء الأمّة، على الرغم من الأثمان التي تُدفع، فهي ستُدقع بمقابل أو من دون مقابل أمام هذا "الغول" الذي يريد لنفسه كلّ شيء.

البعض يدعو إلى المواجهة ولو بأضعف الوسائل المتاحة والممكنة، ولو غلت التضحيات والأثمان. وهنا أيضاً لسنا بحاجة إلى ضرب آخر من ضروب "الجنون" المختلف عن الشجاعة. نحن بحاجة إلى الشجاعة والحكمة، إلى إعمال العقل والمنطق، والإفادة من كلّ فرصة وإمكانية للتخفيف من قوّة هذه العاصفة الهوجاء، ومن ثمّ المضي نحو بناء المستقبل، وهي عاصفة لا بدّ أن تخفّ وتتراجع حدّة وقوّة.

الرهان الحقيقي يجب أن يكون على أنفسنا، أنفسنا كأمّة، كمستهدفين من هذه العاصفة، وأول الرهان يبدأ من إعادة التقييم والتقويم، وإعادة جدولة الأولويات، إذ لا يجوز أن يكون الجميع في مرمى وهدف هذه العاصفة، ومن ثمّ يبقى الجميع أسرى لمواقف وسرديات تاريخية ولو كانت حديثة لم يمرّ عليها سوى سنوات. الجميع بحاجة اليوم في ظلّ التحديات الآتية من مكان واحد، الجميع بحاجة إلى إعادة النظر بالمواقف والسياسات والاستراتيجيات، وإعادة جدولة العمل على هذا الأساس ولو مرحلياً. الجميع عليه أن يدرك أنّ الطرف المقابل الذي يقف خلف العاصفة وينفخ فيها لا يرى العالم من حوله إلاّ مجموعة بهائم وحيوانات (غوييم) خُلقوا على هيئة البشر لخدمته وليس لأمر آخر سوى ذلك، علماً أنّنا إذا أدركنا حقيقة وجودنا بإمكاننا أن نعيش بكرامة محفوظة للجميع.

 موقع آفاق نيوز

مَن يُوقف هذا الجنون الإسرائيلي؟ _ د. وائل نجم