د. وائل نجم
قبل أيّام أطلق رئيس حكومة كيان الاحتلال الإسرائيلي دعوة لتشكيل حلف جديد في المنطقة يضمّ إلى كيانه، الهند، اليونان، قبرص الجنوبية، ودول عربية لم يسمّها، وأشار إلى أنّ هذا الحلف لمواجهة محورين، كما سمّاهما، في المنطقة؛ إيران وبعض الدول أو القوى المتحالفة معها، واعتبره نتنياهو محوراً "متطرّفاً"؛ والسعودية وتركيا وباكستان ومصر، واعتبره محوراً "راديكالياً".
اعتبر نتنياهو أنّه قد تمكّن من التخلّص أو القضاء على محور إيران ومن معها، وهو يأمل أن توجّه الولايات المتحدة الأمريكية ضربة عسكرية قويّة لإيران خلال الأيّام أو الأسابيع المقبلة تكون ساحقة بشكل كامل لهذا المحور.
غير أنّه يعتبر أنّ المحور الآخر "الراديكالي، "بحسب زعمه، لا يقلّ خطورة على كيانه وعلى المنطقة من محور إيران، ولذلك راح يطلق الشائعات، وينشر الخوف والقلق من طموحات وتطلعات هذا المحور كما لو أنّه محور يشكّل تهديداً للعالم! وبالتالي فقد راح يحشد العالم ضده على اعتبار أنّه يمثّل تهديداً حقيقياً لكيانه.
والحقيقة أنّ نتنياهو كان قد كشف في العام الماضي عن نواياه بخصوص المنطقة العربية الإسلامية، أو ما يُسمّى بمنطقة الشرق الأوسط التي تمثّل قلب العالم بحسب اعتقاد معظم الاستراتيجيين، وكان قد أعلن أنّه يريد أن يقيم ما سمّاه "إسرائيل الكبرى" بين نهري النيل في مصر والفرات في العراق مستحوذاً على أراضي واسعة في سوريا والأردن والمملكة العربية السعودية ولبنان وفلسطين والسودان وتركيا فضلاً عن مصر والعراق، واعتبر، في حينه، أنّ هذا المشروع (إسرائيل الكبرى) يأتي تحقيقاً لرؤية وحلم نوراني؛ وما دعوته اليوم إلى قيام هذا الحلف بين الدول التي ذكرها سوى محاولة تسهم في تحقيق هذا الحلم من خلال الاستعانة بتلك الدول المقترحة لتكون في هذا الحلف، أو من خلال استغلالها واستخدامها في مشاريعه الخاصة التي تصبّ في اتجاه قيام هذه ألـ "إسرائيل الكبرى".
لقد بات واضحاً أنّ هدف كيان الاحتلال في المرحلة المقبلة استهداف دول المنطقة الكبرى (السعودية، تركيا، باكستان، مصر) لأنّها باتت تشكّل عائقاً وحجر عثرى في طريق إتمام مشروعه إقامة "إسرائيل الكبرى"، وبالتالي فقد بات الخطر "الإسرائيلي" بات محدقاً بشكل خطير وكبير بهذه الدول، خاصة بعد التصريح الخطير الذي أدلى به سفير الولايات المتحدة الأمريكية في كيان الاحتلال ودعا فيه أو اعترف بحقّ نتنياهو الهيمنة والسيطرة على أجزاء واسعة من دول في المنطقة هي حليفة للولايات المتحدة الأمريكية ومن دون أي تعليق سلبي أو إدانة من أيّ مسؤول في واشنطن لهذا التصريح أو لتلك الأفكار والسياسات.
المسألة الأخرى التي يجب أن تعتبر منها الدول التي دعيت للإنضمام إلى هذا الحلف، بل ربما هي قد انخرطت أو انضمت إليه، هي أنّ نتنياهو يريد أن يستغلّ اليونان وجنوب قبرص لإشغال تركيا واستنزافها؛ ويريد أن يستغلّ الهند لإشغال باكستان واستنزافها؛ ويريد أن يستغلّ بعض الدول العربية التي لم يسمّها لإشغال المملكة العربية السعودية واستنزافها؛ ويريد أن يشغل مصر ويستنزفها في أكثر من ملف ومكان كالسودان والصومال وغيرهما.
الدول العربية والإسلامية المذكورة باتت في مرمى وهدف نتنياهو وكيانه بعد اليوم، وما كان يقوم به هذا الكيان بقفّازات مع هذه الدول في السابق بات الآن يتمّ من دون قفّازات، وما كان يحتاج إلى دليل بات دليله واضحاً؛ وعليه، لم يعد ينفع في التعامل مع هذا الكيان وفي ردّ كيده وإفشال خططه تجاهل هذه الخطط والبرامج أو التسليم بالنوايا "الحسنة" لهذا الكيان أو لداعميه في واشنطن، الأمر بات يحتاج إلى "عزم وحزم" يوقف هذه الاندفاعة للتغوّل على المنطقة، ولا بدّ لهذه الدول من العمل لاستجماع نقاط القوّة، وبالمناسبة هي كثيرة؛ وإطلاق مصالحة جدّية حقيقية مع القوى الحيّة في الأمّة وعلى مستوى شعوبها، وبالمناسبة فإنّ هذه القوى تكاد تكون جاهزة لهذا الأمر في ظلّ الاستهداف الواضح للأمّة بشعوبها وحكوماتها وقيمها الحضارية؛ ورفع مستوى التنسيق والتكامل والتحالف بين هذه الدول وتفعيل قدراتها وإمكاناتها التي قد تكون كفيلة بخلط الأمور وإفساد كل المحاولات التي يقوم بها "الكيان" لاستهدافها وإسقاطها، ولا بدّ في هذا السياق من التأكيد على أنّ الوضع لا يحتمل ترف الوقت ولا الانشغال بالأمور البسيطة والجزئية، فواجب الوقت للحكومات والشعوب والقوى الحيّة في الأمّة بات يتمثّل الآن بإفشال خطط وبرامج ومشاريع استهداف الأمّة ومحاولات السيطرة والهيمنة عليها وعلى مشروعها الحضاري الإنقاذي الذي استمرت حاملة له منذ أكثر من 1400عاماً.
موقع مجلة الأمان