العميد الركن خالد حماده
حدثان بالغا الدلالة الاستراتيجية من شأنهما أن يُخلِّفا تداعيات بعيدة المدى، تمتد لعقود مقبلة، على خريطة النفوذ في كلٍّ من البحر الكاريبي وبحر العرب. يتمثل الحدث الأول في اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في عملية أميركية خاطفة، ونقله إلى الولايات المتحدة حيث سيُحال إلى القضاء الأميركي لمواجهته بتهم تتعلق بالإتجار بالمخدرات وممارسة أنشطة إرهابية. أما الحدث الثاني، فيكمن في استعادة محافظتيّ حضرموت والمهرة في جنوب اليمن إلى كنف المجلس الرئاسي اليمني، عبر عملية عسكرية نفذتها قوات «درع الوطن» بقيادة المملكة العربية السعودية، عقب إنهاء حالة التمرد التي قادها المجلس الانتقالي الجنوبي.
وعلى الرغم من التباعد الجغرافي بين مسرحيّ العمليات، واختلاف الأدوات والتقنيات الميدانية المستخدمة، إلا أن العمليتين تلتقيان عند عدد من التقاطعات المشتركة، أبرزها تكامل الأهداف الاستراتيجية، والتناغم الواضح بين دوائر صنع القرار في كلٍّ من واشنطن والرياض، فضلًا عن اعتماد الخيار العسكري المباشر، بدل الإكتفاء بسياسة التهديد باستخدام القوة.
لم تُشكِّل عملية «العزم المطلق» الأميركية تجاوزًا نوعيًا لـ«عقيدة مونرو» التي أعلنها الرئيس جيمس مونرو عام 1823، والقاضية برفض إخضاع أميركا الشمالية والجنوبية لأي شكل من أشكال الإستعمار الأوروبي. كما لم تخرج هذه العملية عن الإطار الذي أضافه الرئيس ثيودور روزفلت إلى العقيدة نفسها، حين أقرّ بحق الولايات المتحدة في التدخل في شؤون دول أميركا اللاتينية بذريعة الحفاظ على الإستقرار وحماية المصالح الأميركية في نصف الكرة الغربي، وذلك في أعقاب الأزمة مع فنزويلا خلال عاميّ 1902–1903، على خلفية امتناعها عن سداد ديونها الخارجية.
ما يميّز العملية الأميركية الأخيرة أنها جاءت ضمن سياقات مغايرة لتلك التي أحاطت بالتدخلات السابقة في ما يُعرف بـ«الجوار الأميركي»، وهي تدخلات لم تتجاوز في معظمها حدود العبث بالتوازنات السياسية الداخلية ودعم أنظمة أو حكومات يمينية، كما حصل في نيكاراغوا والسلفادور وغواتيمالا، أو الاكتفاء بفرض عقوبات عسكرية وإقتصادية طويلة الأمد على كوبا. أما الظروف التي أملت هذا التدخل النوعي، فتتصل بطبيعة الأدوار والتحالفات الإقتصادية والعسكرية التي نسجتها بعض دول أميركا الجنوبية مع خصوم الولايات المتحدة، على نحو أدخل هذه القوى إلى ما تعتبره واشنطن «حديقتها الخلفية»، في منطقة تتقاطع فيها مسارات النفط والغاز وشبكات التهريب، وتنعكس تداعياتها الأمنية مباشرة على المدن الأميركية. في هذا السياق، وفّرت «عقيدة مونرو» لإدارة دونالد ترامب إطارًا مرناً، بل فضفاضاً، لتبرير حماية المصالح الأميركية، ليس فقط ضمن نطاق الأميركيتين، بل بما يتجاوزه إلى فضاءات أوسع.
في جنوب اليمن وبحر العرب، نُفِّذت عملية أخرى تحت عنوان «استلام المعسكرات»، أُنجزت بكفاءة عالية وفي زمن قياسي، وبخسائر محدودة للغاية، وأفضت إلى إعادة محافظتيّ حضرموت والمهرة إلى سيطرة الحكومة الشرعية. وقد جاءت هذه العملية في أعقاب مواجهات محدودة بين قوات «درع الوطن» الموالية للحكومة اليمنية، وقوات التمرد التابعة للمجلس الإنتقالي الجنوبي، اضطلعت خلالها المقاتلات السعودية بدور حاسم في ترجيح الكفة الميدانية. وبالتوازي مع العمليات البرية، أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن اكتمال انتشار وحدات من البحرية السعودية في بحر العرب، ما أسهم في فرض طوق بحري فعّال استكمل الضربات الجوية، وأدّى إلى قطع خطوط الإمداد البحرية. وتؤكد السياقات الجيوسياسية التي سبقت وأحاطت بعملية «استلام المعسكرات» أنها لا تُختزل في كونها تفصيلًا محلياً عابراً، بل تمثل اختباراً استراتيجياً متعدد الأبعاد، تتقاطع فيه اعتبارات الداخل اليمني، ومآلات الصراع الإقليمي مع إيران، وخيارات التسوية والسلام في الإقليم. ويُستدل من مجمل هذه المعطيات أن هناك قراراً واضحاً بمنع انزلاق حضرموت والمهرة إلى مسرح صراع داخلي مفتوح، أو تحوّلهما إلى ساحة لفرض مشاريع جزئية بالقوة.
كيف تُقرأ مساحات التقاطع بين العمليتين؟
ماذا يعني إعلان الولايات المتحدة عزمها إدارة فنزويلا مرحلياً، إلى حين تنفيذ انتقال آمن وسليم وحكيم للسلطة؟ وماذا يعني، في المقابل، إنتشار البحرية السعودية في بحر العرب، الواقع في الجزء الشمالي الغربي من المحيط الهندي، والممتد بين القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية غرباً، وإيران وباكستان شمالًا، والهند شرقاً، والمتصل بالخليج العربي وخليج عُمان عبر مضيق هرمز، وبالبحر الأحمر وخليج عدن عبر مضيق باب المندب؟
لقد حققت واشنطن، في أعقاب عملية «العزم المطلق»، جملة من الأهداف المتداخلة التي يصعب ترتيبها أو المفاضلة في ما بينها. فقد أفضت العملية إلى إحكام السيطرة الأميركية على صادرات النفط الفنزويلية، التي كانت الصين تستحوذ على ما يقارب 80% منها بأسعار مخفّضة للغاية، فضلًا عن التأثير في الاستثمارات الصينية المندرجة ضمن برنامج «قروض مقابل النفط»، والتي بلغت، بحسب مجلة فوربس، نحو 19 مليار دولار. ومع ذلك، يبقى من المبكر الجزم بإنعكاس هذه التطورات على سياسات منظمة «أوبك»، في ضوء محدودية حجم الصادرات الفنزويلية الراهنة، والحاجة الماسّة إلى إعادة تأهيل قطاع النفط، وهي عملية قد تمتد لسنوات.
غير أنّ التقاطع الأبرز بين العمليتين يتجلّى في القواسم المشتركة بين بقعتيّ العمليات في بحر العرب والبحر الكاريبي، اللذين يشكّلان مجالين حيويين لإيران وأذرعها، سواء في إنتاج المخدرات، أو إدارة مسارات التهريب، أو تبييض الأموال، أو أنماط القرصنة البحرية بمختلف أشكالها. لقد شكّلت دول الكاريبي، ولا سيما البرازيل والأرجنتين وباراغواي، إحدى أكثر شبكات التمويل تعقيدًا على المستوى العالمي التي مكّنت «حزب الله» من بناء إقتصاد موازٍ عابر للحدود. وفي المقابل، مثّل بحر العرب المدخل النموذجي لإيران لتهديد الملاحة الدولية، وتغذية الميليشيات العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، لا يبدو التوازي بين الشروط التي حدّدتها واشنطن للتعامل مع نائبة الرئيس الفنزويلي، والمتمثلة بالقضاء على تهريب المخدرات وقطع صلات كاراكاس بكلٍّ من إيران و«حزب الله» اللبناني، وبين ما أعلنه المتحدث بإسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، تركي المالكي، من أن هدف انتشار القوات البحرية السعودية في بحر العرب يتمثل في تنفيذ عمليات تفتيش ومكافحة التهريب من دون سقف زمني محدد، سوى دليل قاطع على مستوى التكامل والتنسيق في الأهداف الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن.
بين البحر الكاريبي وبحر العرب، تتعدد المسارات وتتقاطع الإختبارات الحقيقية لقدرة كلٍّ من واشنطن والرياض على فرض وحماية توازنات إقتصادية وجيوسياسية جديدة. لقد شكّلت عملية «العزم المطلق» النسخة الترامبية لعقيدة مونرو، فهل تمثّل عملية «استلام المعسكرات» بدورها النسخة العربية من «عقيدة مونرو»؟