درس مادورو... العصا لمن عصى _ أحمد الأيوبي


أحمد الأيوبي

أعطى دونالد ترامب الدرس الأكثر فجاجة ووضوحًا لكلّ دول العالم كيف يمكن أن يتعامل معها عندما يقرِّر حسم الأوضاع فيها، بغض النظر عن القانون الدولي وما كشفه الانقضاض على رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو في قلعته "الحصينة" وسوقه مخفورًا أمام القضاء الأميركي، من تحوّلات في موازين القوى العالمية، فحتى عواصم "الفيتو" في مجلس الأمن لم تستطع مواجهة أميركا ترامب الذي يبدو أنه ذاهب نحو مزيد من فرض الوقائع الأحادية لتحقيق أهدافه من دون النظر إلى أيّ اعتبار يمكن تصنيفه في إطار التوازنات الدولية قبل "غزوة فنزويلا المظفرة".

ما يهمّنا في المنطقة من هذا التحوّل هو ما سيحدث مع إيران وتداعياته على الواقع اللبنانيّ، فالاحتجاجات في بلاد علي خامنئي لا تتوقف وهي هذه المرة مرفودة بغطاء ترامبيّ واضح، بينما تتزايد علامات الضعف والوهن على حكم الملالي، وإذا انخرط الحكم في القمع القاتل فسيزيد غضب الشعب وربّما يؤدي ذلك إلى ظهور حالات تمرّد مسلّحة وتصدّعات قومية، وخاصة العرب في الأحواز والبشتون على الحدود مع أفغانستان، والآذاريين على الحدود مع أذربيجان. وإذا بقيت الوتيرة على حالها من الاحتواء المحدود، فستزداد حماسة المحتجّين لرفع وتيرة حركتهم في الشارع، فالحكم الإيراني سيكون كمن يلحس المبرد... وفي حالتين أحلاهما مرّ.

أمّا الوضع في لبنان، فإنه متعلِّق بالوضع في طهران وفي تلّ أبيب معًا، والحرس الثوري الإيراني هو الممسك بقرار "حزب اللّه"، وضباط الحرس المنتشرون في لبنان هم من يتولّون تصريف مواقف "الحزب" وحركته السياسية والأمنية والعسكرية، وهذا يجعل البلد كلّه رهينة ما سيقرّره خامنئي في مسألة المواجهة مع ترامب، خاصة مع اقتراب أيام الحسم واضطرار الجميع إلى اتخاذ القرار النهائيّ.

يضيق هامش المناورة أكثر فأكثر على "حزب اللّه" خاصة بوجود وكيل أميركيّ لا يقلّ جموحًا عن ترامب هو بنيامين نتنياهو الذي تجاوز الرئيس الأميركي في أطماعه وسعيه لفرضها على الإقليم من غزة إلى لبنان فسوريا وصولًا إلى قطر... والمشكلة الأكثر خطرًا هي أن الزخم الذي أعطاه ترامب لتوجّهاته العالمية لن يستثني لبنان، بينما يتلهّى "حزب اللّه" بإصدار بيانات تدين "خرق ترامب" المواثيق العالمية وانتهاك سيادة الدول، ويستمرّ إعلام إيران الإقليميّ في الرهان على مظاهرات تجري في أزقة كاراكاس وعلى تصاريح وزير دفاع فنزويلا الذي سُحِبَ رئيسه ولم يعلم بمصيره إلّا عندما أعلن ترامب عن اعتقاله ونقله إلى الولايات المتحدة.

يطلق سياسيو "حزب اللّه" وأبواقه خربشات في الفضاء الإعلاميّ منها ما يتحدّث عن "السنن الإلهية" ومنها ما يتشدّق بانتهاك الحقوق... وكأن إيران وميليشياتها عندما دخلت العراق وسوريا ولبنان واليمن وخرّبت البحرين، استندت إلى القوانين السيادية والإنسانية، وكأن مهمّاتها كانت مساعدة الصليب الأحمر على إسعاف المصابين، وهي التي كانت ولا تزال أكثر وحشية ممن تصفهم مستعمرين ومستكبرين، لا بل إن إيران تعاونت مع "الشيطان الأكبر" وبكل صفاقة، في العراق وأفغانستان، وبالتأكيد في سوريا ولبنان واليمن، حيث يذكر الجميع كيف تدخلت أميركا أوباما لإنقاذ الحوثيين بعد أن شارفوا على الاندحار، تحت عناوين إنسانية.

الواقع في لبنان يوشك على الانهيار أو الانفجار، فالعُملة التي تستعملها المنظومة اللبنانية لشراء الوقت أصبحت منتهية الصلاحية ولم يعد بالإمكان استخدامها إلّا في نطاق "تبديل العملة" فقط، وإيران و "حزبها" يواجهان مصيرهما الذي لن يكون أفضل ممّا مضى، ضربات ساحقة، حصارات متواصلة، تعطيل للتنمية ودفعٌ نحو التصدّع والاندثار، بحيث لا يحتاج الأمر أكثر من "رصاصة الرحمة" ولعلّ العبارة الأكثر تناسبًا مع الوضع الراهن هي التي قالها الصديق فارس سعيد: "يللي مادورو اليوم دورو بكرا".. فالعصا الترامبية ستطول من عصى... وكلّ آتٍ قريب.

صحيفة نداء الوطن
درس مادورو... العصا لمن عصى _ أحمد الأيوبي