الدكتور لويس حبيقة
كان الرئيس ترامب نجم مؤتمر دافوس ومعظم الندوات والاجتماعات التي سبقت ولحقت باللقاء السويسري الهام. هذه الرغبة في لفت النظر الى نفسه عبر العديد من المواضيع المهمة وغير المهمة تجعل من الرئيس الأميركي محط انظار العالم اعجابا أو قلقا. لفت النظر مهم جدا وواقعي نظرا لأهمية الولايات المتحدة ولطبيعة شخصية رئيسها التي تنقسم حولها أكثرية شعوب ودول العالم. استعمال القرارات الاقتصادية كسلاح في السياسة هو ما يميز الرئيس الأميركي والذي يجعله يصل الى ما يريد كليا أو جزئيا حتى على حساب التحالفات والصداقات. تأثير قراراته على المدى الطويل يمكن أن يكون أقل ايجابية نظراً لسوء التخاطب الذي يعتمده حتى تجاه أهم حلفائه. هذا خاطئ ويقلل من فعالية القرارات على المدى الطويل ويسيء الى التعاون الصحي المطلوب مع الدول الأخرى وفي مقدمها كندا والدانمارك وبقية أوروبا.
في لبنان الأوضاع الاقتصادية متعثرة مما يفسر التشنج السياسي الحاصل الذي يسيء الى نوعية القرارات المتخذة. في أميركا وعودة الى الوراء، فاز الرئيس أوباما بالرئاسة بعد الأوضاع الاقتصادية الصعبة في 2008، لكن ادارته تميزت بالموضوعية والاعتدال. كان هنالك خوف من قبل الجمعيات التي ترتكز عضويتها على المواطنين البيض من أن ينجح أوباما فيقوي موقع السود في المنافسات الداخلية. يقول الكاتب كوتس Coates في كتابه «كنا لمدة 8 سنوات في الحكم» أن شعبوية أوباما واعتداله قوَّيا الجمعيات التي ترتكز عضويتها على المواطنين البيض. لذا انتقلت الولايات المتحدة خلال 8 سنوات من شعبوية الى أخرى، أي من أوباما الى ترامب. بدأت مشاكل أوباما العملية في سنته الرابعة مع اطلاق حملة عنيفة ضده واتهامه بأنه لم يولد في الولايات المتحدة وبالتالي لا حق له أصلا بالرئاسة. اتهم تجنيا وكان وراء هذه الحملات المغرضة مجموعة أشخاص بينهم دونالد ترامب.
«اتُّهم» أوباما بأنه لم يمارس السلطة من موقع الرئيس الأسود بل من موقع الرئيس الوطني الجامع. ربما لم تكن الولايات المتحدة جاهزة بعد لرئيس أسود، فاختارت عمليا رئيسا «أبيض» ببشرة سوداء. نذكر أن الأميركيين وصفوا الرئيس بيل كلينتون بأول رئيس أسود بسبب العقيدة وليس البشرة. الرسالة الأساسية هو أن وصول رئيس أسود الى السلطة قوى التجمعات البيضاء بدل أن يضعفها وهي كانت وراء الهجوم على الكونغرس في 6\1\2021. يمكن القول أن دونالد ترامب هو أول رئيس «فعلا» أبيض وصل الى السلطة بالمعنى السياسي للكلمة.
في الأنظمة الشعبوية لا تحترم عموما حقوق الأقليات بل الرابح يحكم والخاسر يتعذب ويعاني وهذا ما يحصل عمليا اليوم في أميركا. تغيب الحوارات الديموقراطية العامة المبنية على الفكر والعقائد وتسيطر الغريزة أو التعصب بكافة أشكالها. لا تحترم القواعد الدستورية التي تشدد في كل الدول على احترام حقوق الانسان والحوار وحرية التخاطب والأراء. تؤدي الشعبوية الى الانسحاب من الحياة الديموقراطية الحرة أو الانعزال والى تدمير القواعد والمؤسسات، مما يؤثر سلبا على العلاقات بين المواطنين كما بين الدول. تتوسع الشعبوية عالميا بسبب الظروف الاقتصادية والصحية الصعبة.
الخاسر من التطورات الحالية المقلقة هي الليبيرالية المبنية على المنافسة والحيوية والحوار والتي كانت جميعها حتى قبل سنوات قليلة ركيزة العلاقات الدولية السليمة. اذا لم يعد العالم الى اعتماد الليبيرالية المنظمة سيتوسع التعصب وتنتشر العنصرية أكثر، مما يدخل العالم في أوضاع لن نحسد عليها. أعلن الغرب خطأ أن الليبيرالية انتصرت وان المعركة مع الانكفاء حسمت. لذا لم تبذل القيادات الغربية الجهد الكافي والطبيعي لمعالجة مشاكل المواطنين ومعاناتهم. ازدادت نقمة الشعوب وبالتالي انتخبت قيادات متطرفة في اليمين أو اليسار. ما يجري في دول غربية ديموقراطية عريقة سيجري لاحقا في دول أخرى مما يفرض تصحيح السياسات الاجتماعية بسرعة. قبل حربي أوكرانيا وغزة، كان يمكن وصف الأوضاع الغربية كما يلي: في النفوذ السياسي كان واضحا أن الولايات المتحدة تخسر كثيرا من قوتها، بينما تزداد قوة الصين. قوة الغرب الديموغرافية في انحدار منذ زمن، وهذا انعكس على المعايير الاجتماعية والانسانية. كانت المجتمعات الغربية تعاني اجتماعيا وصحيا من مجموعة أمور سلبية كاستهلاك الممنوعات ونسب الانتحار والكآبة المرتفعة. تحتاج المجتمعات الى العناية الاجتماعية المتطورة كي تعيش بسلام.
في الجانب الاقتصادي لم تكن النتائج مزدهرة، بل كان الغرب يعاني من ضعف النمو وارتفاع البطالة وزيادة الفقر والفشل في تعميم التنمية. كان التذمر الشعبي كبيرا وواضحا مما انعكس انتخابيا على الواقع. لم تعد الأحزاب السياسية القديمة ترضي الشباب، والوقائع الانتخابية تدل على ذلك. أحزاب قديمة تزول وأخرى تظهر على أنقاضها بأفكار جديدة أو متجددة. الظروف تغيرت والتقنيات تبدلت وتطورت بسرعة ولم تعد ترضي الأجيال الجديدة. أصبحت الحياة اليوم أصعب على المواطن العادي بالرغم من كل التكنولوجيات الحديثة. فالأنظمة ربما لم تعد مهمة في ظل التشنجات السياسية والاقتصادية الخطرة. نأمل أن تشكل الانتخابات النيابية القادمة في لبنان محطة مهمة لتغيير التوازنات في كل المناطق.
صحيفة اللواء