صلاح سلام
تأخير الضربة الأميركية المفترضة ضد إيران لم يكن تفصيلاً تقنياً ولا مجرد تباين في التقدير الزمني، بل عكس في جوهره صراعاً داخل مراكز القرار في واشنطن بين منطق القوة ومنطق إدارة المخاطر. فالولايات المتحدة، رغم امتلاكها القدرة العسكرية على توجيه ضربة قاسية لإيران، تدرك أن أي عمل عسكري واسع لن يكون حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة تفاعلات إقليمية قد تخرج سريعاً عن السيطرة، خصوصاً في ظل تشابك الساحات من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان.
في هذا الإطار، لا يمكن التقليل من وزن الوساطات الإقليمية، ولا سيما السعودية والقطرية والعُمانية، التي لعبت دوراً مزدوجاً: من جهة، وفّرت للإدارة الأميركية قناة اختبار إضافية لنيات طهران وإمكان انتزاع تنازلات سياسية أو أمنية بأكلاف أقل من الحرب، ومن جهة ثانية، منحت واشنطن هامشاً دبلوماسياً لتبرير التأجيل أمام حلفائها من دون الظهور بموقع المتراجع. غير أن هذه الوساطات، على أهميتها، ليست العامل الحاسم وحدها، بل تتقاطع مع قناعة أميركية أعمق بأن الضربة العسكرية، مهما بلغت دقتها، لا تضمن سقوط النظام الإيراني، بل قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة تماماً عبر إعادة توحيد الداخل الإيراني خلف السلطة، وإعادة إنتاج خطاب«المظلومية الوطنية» الذي تتقنه طهران تاريخياً.
العامل الأكثر حساسية في حسابات التأجيل يبقى غياب البديل الجاهز. فالتجارب الأميركية في المنطقة، من العراق إلى أفغانستان، تركت ندوباً عميقة في الوعي الاستراتيجي الأميركي. إسقاط نظام من دون وجود قوة داخلية منظمة قادرة على ملء الفراغ، أو توافق دولي على شكل المرحلة الانتقالية، يعني عملياً فتح الباب أمام فوضى إقليمية جديدة، لا تبدو واشنطن مستعدة، ولا حلفاؤها في المنطقة، لتحمُّل تبعاتها في هذه المرحلة، لا سياسياً ولا اقتصادياً. من هنا، يظهر خيار المفاوضات، حتى وإن كان هشّاً، كأداة لإدارة الصراع لا لحسمه، وكوسيلة لتغيير السلوك الإيراني تدريجياً، بدل السعي إلى تغيير النظام دفعة واحدة.
وثمة معلومات متداولة في أوساط أميركية عن قنوات حوار غير مباشر بين واشنطن والحرس الثوري الإيراني، ظهرت بوادرها في وقف العنف والإعدامات ضد المتظاهرين، وتخفيض حدة التظاهرات إلى حد التجميد في بعض المناطق، مما رجّح كفة القائلين بإمكانية التوصل إلى صيغة تؤدي إلى إحداث التغيير المطلوب في السلوك الإيراني، داخلياً وخارجياً بالتفاوض، بحيث يتولى الحرس الثوري إدارة دفة التغيير في سيناريو شبيه بما جرى في فنزويلا. ولعله من المبكر التكهن بمدى نجاح هذه المفاوضات، رغم أن الجانب الأميركي قد وضع سقفاً زمنياً لها.
غير أن الرهان على التزام إيران بنتائج أي مفاوضات يبقى موضع تشكيك واسع، ليس فقط لدى خصومها، بل أيضاً لدى وسطاء وشركاء التفاوض. فالتجربة الطويلة مع طهران تُظهر أنها تتعامل مع الاتفاقات بوصفها محطات تكتيكية لا تحوُّلات استراتيجية، وأنها غالباً ما تلتزم بالنصوص ما دامت تخدم مصالحها المباشرة، ثم تعمد إلى الالتفاف عليها أو إعادة تفسيرها عند تبدل موازين القوى. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن إيران، تحت ضغط العقوبات والاختناق الاقتصادي، قد تجد نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات محسوبة، لا سيما في الملفات التي لا تمسُّ جوهر عقيدتها الأمنية، مع محاولة الإبقاء على بعض أوراق النفوذ الإقليمي كـ«ضمانة تفاوضية» للمستقبل.
هنا تحديداً يتقاطع المسار الإيراني مع الوضع اللبناني. فلبنان، بحكم تركيبته الهشة، لطالما كان إحدى الساحات الأكثر تأثراً بتقلبات العلاقة الأميركية – الإيرانية. ويزداد هذا التأثير عمقاً مع تنامي القناعة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين والقوى السياسية بأن قرار السلاح ليس شأناً داخلياً صرفاً، بل هو جزءٌ من منظومة إقليمية يُتخذ قرارها النهائي في طهران. إن تأجيل الضربة الأميركية، وما يحمله من مؤشرات على تفضيل التفاوض، ينعكس عملياً إطالة لأمد هذا الواقع، إذ يمنح إيران وقتاً إضافياً للإمساك بأوراقها اللبنانية، ويؤخر أي حسم لمسألة السلاح ودوره.
في المقابل، فإن أي تسوية أميركية – إيرانية، ولو جزئية، قد تفتح نافذة ضيقة أمام لبنان، إذا ما اقترنت بضغوط دولية واضحة لفصل المسار اللبناني عن الاشتباك الإقليمي. لكن هذا الاحتمال يبقى ضعيفاً ما لم تتوافر إرادة داخلية لبنانية لإعادة الاعتبار لمنطق الدولة، واستثمار اللحظة التفاوضية لفرض مقاربة جديدة لمسألة السيادة والسلاح.
بين تأجيل الضربة واحتمالات التفاوض، يبقى لبنان معلَّقاً في منطقة رمادية، يدفع ثمن صراع لم يقرر بعد كيف ينتهي، ولا على أي حساب.
صحيفة اللواء