أحمد قاسم حسين
مع انهيار اتفاق الهدنة بين حركة حماس وإسرائيل، عادت آلة الحرب الإسرائيلية لتستأنف حملتها العسكرية الواسعة، التي تستهدف البشر والحجر، وتُمعن في تدمير البنية المجتمعية والهُويَّة الوطنية الفلسطينية. وتحت الذريعة القديمة (القضاء على المقاومة)، تواصل إسرائيل حرب الإبادة الجماعية في غزّة بدعم أميركي غير مشروط، في ظلّ إدارة الرئيس دونالد ترامب، وسط صمت عربي، وإسلامي ودولي، يثير تساؤلاتٍ كثيرة عن المواقف الرسمية تجاه قضية لا تزال تمثّل أحد أبرز وجوه النضال ضدّ الاحتلال والاستعمار في العالم. في المقابل، يعيش المشهد الفلسطيني حالة من التراجع، الميداني والسياسي، ما يفرض ضرورة ملحّة لإعادة تقييم الأولويات، والوسائل والاستراتيجيات، في مواجهة هذا الواقع المركّب.
ما نشهده اليوم من عدوان إسرائيلي متواصل انعكاس مباشر لاختلال موازين العدالة في النظام الدولي، الذي لطالما انحاز إلى منطق القوة على حساب القيم وحقوق الشعوب، وفي مقدمته الولايات المتحدة، فمنذ تأسيس هذا النظام عقب الحرب العالمية الثانية، وقفت واشنطن في جانب إسرائيل، وقدّمت لها دعماً عسكرياً واقتصادياً وسياسياً مستمرّاً، بينما بقيت حقوق الفلسطينيين في إقامة دولتهم وعودة لاجئيهم من الشتات حبراً على ورق، غير أن المنعطف الأخطر جاء مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض، فشهدت السياسة الأميركية انكشافاً غير مسبوق في انحيازها الكامل لإسرائيل. لم يقتصر الأمر على الدعم التقليدي، بل شمل خطواتٍ خطيرة تمثّلت في الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ووقف التمويل عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وطرح ما عُرف بـ"صفقة القرن"، التي سعت إلى تصفية القضية الفلسطينية تحت لافتة "السلام الاقتصادي".
لم تُضعف هذه السياسات الموقف الفلسطيني فقط، بل أفرزت ديناميات إقليمية جديدة أدّت إلى تفكّك الجبهة العربية الداعمة، ودفعت أنظمة عربية عدّة نحو مسار التطبيع، إضافة إلى الديناميات المحلّية فلسطينياً، إذ برز غيابٌ شبه تامّ لأي حراك شعبي أو مقاومة فعّالة في الضفة الغربية، وهو ما شكّل صدمة لكثيرين من قيادات المقاومة، الذين عوّلوا على أن تشكّل الضفة جبهة مُسانِدة توازي حجم المجازر في القطاع، أو على الأقلّ تمارس ضغطاً ميدانياً على الاحتلال. لا يمكن فهم هذا الغياب إلا ضمن منظومة معقّدة من القمع الممنهج، والرقابة المشدّدة، والتنسيق الأمني المكثّف بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي. فالضفة الغربية، وعلى مدار سنوات، تحوّلت لساحة خاضعة لرقابة أمنية متعدّدة المستويات، حيث تتكامل الجهود بين أجهزة الأمن الفلسطينية ونظيرتها الإسرائيلية في ملاحقة أي تحرّك قد يُهدّد "الاستقرار الأمني". أمّا الفلسطينيون في داخل الخطّ الأخضر، الذين يشكّلون ما يقارب 20% من سكّان إسرائيل، ويملكون أدواتِ نضال مدني وسياسي مهمّة، فقد بدوا (لحظة "طوفان الأقصى") كما لو أنهم مغيّبون قسراً من المشهد المقاوم. إلا أن هذا الغياب لا يُفسَّر بضعف الوعي الوطني، أو تراجع الاستعداد للتضحية، بل هو نتاج مباشر لسلسلة طويلة من السياسات القمعية التي فُرضت على المجتمع الفلسطيني في الداخل، خاصّة منذ أحداث "هبّة الكرامة" في مايو/ أيار 2021. فبعد تلك الهبّة الشعبية الواسعة، التي هزّت الداخل الإسرائيلي، أطلقت المؤسّسة الأمنية حملة قمعٍ غير مسبوقة، استهدفت مئات النشطاء والمشاركين في التظاهرات، عبر موجات اعتقال جماعية، ومحاكمات سياسية، ومراقبة إلكترونية مكثّفة، مع تغليظ العقوبات، ومحاولات تجريم أشكال التعبير الوطني كلّها، حتى السلمي منها.
في ظلّ حالة التصدّع التي يعاني منها النظام الدولي، جاءت عملية طوفان الأقصى التي أطلقتها كتائب عزّ الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في 7 أكتوبر (2023)، محاولةً لإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية على المستويين، الإقليمي والدولي. فقد سعت القيادة العسكرية في غزّة (استُشهد معظم أفرادها في مجريات الحرب) إلى إحداث تحوّل نوعي في معادلات الصراع، اعتقاداً بأن هذه العملية المفاجئة قد تفتح الباب أمام مشهد سياسي وعسكري جديد، يعيد تشكيل موازين القوى داخل فلسطين وخارجها، غير أن حسابات هذه القيادات، وإن كانت تعكس مستوى عالياً من الجرأة والطموح، كانت غير دقيقة، إذ سرعان ما واجهت المقاومة الفلسطينية في غزّة حجماً هائلاً من التحدّيات. ورغم ما أظهرته الكتائب من مرونة تكتيكية، وتماسكٍ لافتٍ في مواجهة آلة حرب إسرائيلية شرسة ومدمّرة، كانت كلفة المواجهة باهظة. تعرّضت المقاومة لاستنزاف غير مسبوق بشرياً ومادّياً، وفقدت تدريجياً زمام المبادرة في خارج حدود قطاع غزّة، وسط حصار خانق وتواطؤ دولي وصمت إقليمي.
وقد فرض هذا الواقع على قيادة المقاومة لحظة حاسمة من التأمل وإعادة التقييم، فهل الاستمرار في المواجهة من دون أفق سياسي واضح سيخدم القضية، أم أن التراجع المؤقّت بات ضرورة استراتيجية لإعادة التموضع، وترميم الصفوف، والبناء على ما تحقّق من صمودٍ في وجه العدوان؟ لا تتعلّق هذه اللحظة التاريخية بالتكتيك العسكري فقط، بل بمصير المشروع الوطني الفلسطيني برمّته، في ظلّ متغيّرات إقليمية ودولية متسارعة.
على الرغم من وحشية العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزّة، وما خلّفه من دمار هائل، واستهداف ممنهج للمدنيين، الذي يعدّ المسؤول الأول عن هذه الكارثة الإنسانية التي يعاني منها الفلسطينيون، فإن الفصائل الفلسطينية، وفي مقدّمتها "حماس"، تتحمّل مسؤولية سياسية لا يمكن إنكارها تجاه ما آلت إليه الأوضاع. وهو ما يستدعي مراجعة نقدية جادّة وشجاعة لمسار ما بعد عملية طوفان الأقصى، خاصّة في غياب أي رؤية وطنية شاملة أو استراتيجية واضحة للتعامل مع حرب الإبادة الجماعية، التي يتعرّض لها سكّان القطاع.
لقد اختُزلت الأزمة في الخطاب السياسي والفعل التفاوضي في قضية المحتجزين الإسرائيليين، حتى بدت أزمة "رهائن" فقط، بينما الحقيقة أكبر وأعمق، إذ إن استمرار التفاوض ضمن هذا الإطار الحصري، رغم أهميته، لا يعكس حجم الكارثة الإنسانية والسياسية التي يواجهها الشعب الفلسطيني في غزّة. وبالتالي، بات من الضروري التفكير خارج هذا القيد، والبحث عن مسارات سياسية أكثر شمولاً تُعيد الاعتبار للبعد الوطني الجمعي في المواجهة. المطلوب اليوم ليس مجرّد إدارة الأزمة، بل قرارات استراتيجية وجذرية، أوّلها (وربّما أصعبها) اتخاذ موقف حاسم من ملفّ الرهائن، حتى لو تطلّب الأمر إغلاقه بأي طريقة ممكنة، مقابل هدنة طويلة تتيح إنقاذ ما تبقّى من القطاع، وتهيئة الظروف لإعادة ترتيب الصفوف الفلسطينية. وألا تبقى غزّة تقاتل وتقتل نيابة عن الجميع، وهو ما يتطلّب من القيادة السياسية والعسكرية لحركة حماس أن تتحلّى بالشجاعة السياسية اللازمة، لا لمواصلة القتال فقط، بل لاتخاذ قرارات حاسمة توقف شلّال الدم، وتفتح الباب أمام مشروع وطني جديد أكثر تماسكاً واستجابة لتحدّيات المرحلة، والعمل في تشكيل قيادة وطنية موحّدة، تدمج قوى الشعب الفلسطيني كافّة، بما يعيد اللحمة الوطنية، بعيداً عن الانقسامات الجغرافية والفصائلية، التي أضعفت قدرة الفلسطينيين على الصمود والتأثير.
العربي الجديد