رفيق خوري
لا خلاف على "أربعة عناوين" يطلب الشيخ نعيم قاسم "أن يعمل عليها من يريد تسجيل نفسه في سجن الوطنية في لبنان". الخلاف هو على العنوان الذي وضعه الرئيس جوزاف عون في خطاب القسم ورئيس الحكومة نواف سلام في البيان الوزاري، وقرر مجلس الوزراء تنفيذه وتكليف الجيش العمل عليه، ولا يزال "حزب الله"مصرًا على رفضه والعمل المعاكس له. عناوين الشيخ نعيم هي: "إيقاف العدوان، انسحاب العدو، الإفراج عن الأسرى، وإعادة الإعمار".
ولولا الغلطة الاستراتيجية في "حرب الإسناد" لما ظهرت هذه العناوين التي يطرحها المسؤولون الكبار في الخطب واللقاءات، ويعملون من أجلها مع أميركا التي تستطيع الضغط على إسرائيل ومع فرنسا وكل الدول الراغبة في مساعدة لبنان على تحقيق أهدافه. ولولا رفض "حزب الله" سحب سلاحه لما تمكنت إسرائيل من الاستمرار في الإعتداءات ومواجهة المساعي الأميركية والدولية الداعمة للبنان، حيث السلاح خارج الشرعية هو العقدة والعقبة والحجة للامتناع عن الإنسحاب وتلبية بقية العناوين .
والمسألة، في أية حال، أبعد من ذلك. فليس أهم من تحديد المطالب سوى رسم خارطة طريق لتحقيق المطالب، وإلا بقيت شعارات. تجربة الحرب صارت وراءنا بقوة التحولات المتسارعة في المنطقة ، أقله بالنسبة الى الدولة. أما حديث "المقاومة الإسلامية" عن الإستعداد لمعاودة القتال فإنه يصطدم، لا فقط بتكرار ما حدث في حرب غزة ولبنان وإيران من هزائم وانكشاف علی العدو بل أيضًا بلعبة أكبر هذه المرة في حرب كبيرة أو صفقة كبيرة على حساب النظام الإيراني ووسائل قوته وأذرعه المسلحة في العالم العربي. ولكن الذي يفرض نفسه هو التفاوض، ولكن أي تفاوض؟
ذلك أن التحدي أمامنا اليوم هو الخروج من رومنطيقية اللاتفاوض أو التفاوض من خلال الآخرين. فما جرى عام 2000 عبر الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب تحت ضربات المقاومة بلا قيد ولا شرط ولا تفاوض، هو استثناء من قاعدة كانت له ظروف معيّنة هنا وفي إسرائيل والمنطقة وأميركا تغيرت اليوم. والقاعدة في الانسحاب الإسرائيلي من أية أرض عربية محتلة هي التفاوض المباشر وغير المباشر حسب الوضع. مصر استعادت سيناء بالتوصل إلى معاهدة سلام في كامب ديفيد بعد زيارة الرئيس أنور السادات للقدس وإجراء مفاوضات مباشرة طويلة. كذلك الأمر بالنسبة إلى الأردن والسلام مع إسرائيل.
منظمة التحرير خاضت سرًا ثم علنًا مفاوضات مباشرة مع إسرائيل للتوصل إلى "اتفاق أوسلو" الذي فشلت بعده المفاوضات المباشرة ومجالات التنسيق الأمني في التقدم خطوة واحدة نحو إقامة دولة فلسطينية على أساس "حل الدولتين". سوريا استعادت جزءًا من القنيطرة والجولان في مفاوضات غير مباشرة قادها الدكتور هنري كيسنجر للتوصل إلى "اتفاق فك الإرتباط" عام 1974، واستعصى عليها أن تستعيد كامل الجولان في جولات مفاوضات مباشرة برعاية أميركا. وها هي إسرائيل اليوم تعيد احتلال جبل الشيخ والقنيطرة مع الجولان بعد سقوط نظام الأسد. وسوريا الجديدة منخرطة في مفاوضات مباشرة بإشراف أميركي على أمل الحصول على اتفاق أمني أقل من اتفاق عام 1974.
والسؤال هو: الى أي حد يستطيع لبنان الانخراط في مفاوضات تقود إلى "اتفاق أمني" يحقق فيه العناوين المشتركة بين الدولة و"حزب الله"؟ الجواب ليس بسيطًا في وضع معقد. وشرط المساعدة الأميركية والدولية للبنان هو سحب سلاح "حزب الله" المصر على أمر مستحيل هو الجمع بين السلاح والانسحاب وإعادة الإعمار.
و"فهم الهزيمة تحضير للنصر" كما قال ماوتسي تونغ.
صحيفة نداء الوطن