رفيق خوري
من الصعب على"حزب الله" أن يستمر في لعب الورقة على الوجهين: وجه الانخراط في السلطة، ووجه الانفصال عنها في آن. هو جزء من السلطة وشريك في قرارها، لكن قراره في إطار "المقاومة الإسلامية"مستقل عنها. حتى عندما أدت التحولات الهائلة في المنطقة إلى وصول العماد جوزاف عون إلى رئاسة الجمهورية والدكتور نواف سلام إلى رئاسة الحكومة وتمكين مجلس الوزراء من اتخاذ قرار بسحب سلاح "حزب الله" على الرغم من خروج وزراء "الثنائي الشيعي" من الجلسة، فإن"الحزب" أصر على رفض القرار والتمسك بالسلاح.
لكن لعبة "المقاومة الإسلامية" التي تقودها إیران في لبنان والعراق وتدعمها في غزة وصنعاء، وصلت إلى الإصطدم بالجدار المحلي والإقليمي والدولي، فشعار "الكلمة للميدان" انتهى بتوجيه ضربات شديدة إلى هذه القوى وإخراجها من الميدان في الجنوب اللبناني وغزة مع دمار شامل وتهجير واسع وتحييد سلاحها في العراق واليمن، فضلًا عن إسقاط النظام السوري والتهديد بإسقاط النظام الإيراني. والكل في ورطة لا مخرج منها بالإنكار والهوبرة بل بالتوقف عن تعميق الورطة وبدء القراءة الواقعية في التحولات على الخارطة الأوسع من لبنان وغزة والعراق والحوثيين في اليمن والحرس الثوري في جمهورية الملالي.
ومن حق بيئة "المقاومة الإسلامية" أن تغضب، وهي لا تزال، من "حرب الإسناد" إلى ما بعد الاتفاق على "وقف الأعمال العدائية"، خارج بيوتها وقراها ومعرّضة للاعتداءات اليومية على القرى واغتيال الكوادر. لكن المشكلة هي "برمجة" الغضب وتوجيهه نحو الهدف الغلط: الدولة ورموزها. فلا نقاش حول "حرب الإسناد" وما قادت إليه من توحش العدو الإسرائيلي الذي أعاد احتلال أجزاء من الجنوب المحرر عام 2000 بقوة "المقاومة الإسلامية". ولا قراءة هادئة في دور الدولة وما تفعله و المطلوب منها وما دعاها إلى قرار سحب السلاح.
ذلك أن الحد الأدنى من منطق الوحدة الوطنية التي تكثر الدعوات اليها حاليًا والاعتراف بأنها القوة الحامية للبنان، يفرض علينا جميعًا العمل لتحقيق جدول الأعمال المطلوب من الدولة والذي تطلبه هي ونطالب به. وهو أولًا وقف الإعتداءات الإسرائيلية وخروج الاحتلال من النقاط الخمس وإطلاق الأسرى. وثانيًا إكمال الإصلاحات المالية والاقتصادية. ولا مجال للخطأ إلا حين يكون مقصودًا للدوران حول المواضيع والبقاء في المكان. ولا حل للمشكلة مع العدو إلّا بطريقتين: القوة أو التفاوض، وأحيانًا بمزيج منهما. فكيف تبدو الصورة الآن؟
الدولة أخذت خيارها ضد الحرب واستخدام القوة، وهي عاجزة عسكريًا عن مواجهة شاملة مع عدو متفوق. و "المقاومة الإسلامية" أشد عجزًا عن تحرير الأرض والأسرى، وهي لم ترد برصاصة واحدة على الاعتداءات اليومية والاغتيالات تجنباً للمزيد من "توحش العدو" باعتراف قيادتها. أما التفاوض، وبعضه قائم حاليًا، فإنه يحتاج الى أوراق قوة تفاوضية بالاتكال على الأصدقاء الدوليين والأشقاء العرب إلى جانب الموقف الداخلي. لكن "حزب الله" يساهم في إضعاف المفاوض اللبناني بدل دعمه، ويصف ما يدور في التفاوض بأنه "تنازلات مجانية" للعدو. فضلًا عن أن رفضه لتسليم سلاح انتهى دوره تأخذه إسرائیل ذريعة لرفض الانسحاب ويعتبره العرب والغرب وأكثرية اللبنانيين مانعًا للمساعدات في إعادة الإعمار. فلا أحد يساعد في إعادة الإعمار ما دام الطريق مفتوحًا في الاتجاهين على معاودة الحرب.
و "لا أحد يدخل المفاوضات للحصول على خلاصة بل لتحقيق مكسب" كما قال الجنرال ديغول.
صحيفة نداء الوطن