محمد كريشان
«آسفون لهذا التأخير فقد كان هناك إجراء قديم في حقك من إدارة الجوازات والحدود».
هكذا اعتذر مني من كان في استقبالي في مطار دمشق إذ اتضح أن اسمي ما زال مدرجا على لائحة المطلوبين لسلطات الأمن السورية كما وضعها نظام بشار الأسد في حق عدد كبير من الصحافيين والمعارضين لنظامه. كان عليّ مراجعة إدارة الهجرة والجوازات في الغوطة لتسوية الأمر لكن تدخل بعض الأصدقاء مشكورين أعفاني من ذلك.
هذه الحادثة البسيطة لم تكن سوى تعبير عن طبيعة المرحلة في سوريا التي يلفظ فيها نظام ساقط أنفاسه الأخيرة دون أن يلقى مصرعه بالكامل، فيما يولد نظام آخر دون أن يتمكّن بعد من الوقوف تماما على رجليه بكل ثبات.
سألت أحد وزراء بشار الأسد ممّن جمعتني به أكثر من جلسة في دمشق هذه الأيام: هل أنت متفائل بمستقبل سوريا؟ فأجاب: نعم. قالها بكل حماسة وبلا تردد وحجته في ذلك أنه «آن الأوان لسوريا أن تنهض وتتخلّص من حقبة الشعارات والأيديولوجيا الكاذبة التي لم تكن، طوالعقود، سوى غطاء للاستبداد والفساد».
«الوضع الحالي في سوريا، ورغم كل الصعوبات وما يلفّه من غموض وتساؤلات، أحسن ألف مرة مما كان سائدا».. هكذا عقّب آخر قائلا إن «إسرائيل لو شنت حربا وحشية على البلاد لما ارتكبت من الإجرام والدمار ما قام به بشار» مشيرا إلى أن إسرائيل التي كانت مطمئنة على نفسها تماما من أي أذى قد يلحقه بها حافظ الأسد أو وريثه لم تملك، بعد فرار الأخير، ترف المجازفة بترك ما تبقى للبلاد من قدرات عسكرية فقضت عليها بالكامل خشية أن تسقط في أيد غير مضمونة.
عندما تتجول في شوارع دمشق اليوم، تلاحظ أن الناس تحاول جاهدة استعادة عافيتها وحيويتها السابقة
عندما تتجول في شوارع دمشق اليوم، تلاحظ أن الناس تحاول جاهدة استعادة عافيتها وحيويتها السابقة، فقد دبّت الحياة من جديد في بعض المحال التجارية رغم كل ما يعانيه المواطنون اليوم من ارتفاع تكلفة المعيشة اليومية وإيجار البيوت وغير ذلك. بإمكانك أن تتلمّس بسهولة حالة الإنهاك التي تعانيها العاصمة السورية وسكانها، ومع ذلك، فهي الأقل تضررا من غيرها إذ يكفي أن تزور مدنا مثل حمص أو دير الزور أو ريف دمشق نفسها لتقف على حالة الخراب التي أصابتها بفعل الأعمال الوحشية التي قام جيش البراميل المتفجرة التي دمّرت زهاء 60 في المئة من مدينة حمص مثلا، الأكبر مساحة وذات الموقع الجغرافي المتميز في قلب سوريا.
أبدى سوريون في أحاديث خاصة معي تفاؤلا مبدئيا وإن كان حذرا بمستقبل أفضل للبلاد في عهدها الجديد على أساس أن الحكم الحالي براغماتي للغاية، ويبحث عن التقاط البلاد أنفاسها بعد سنوات من الاستنزاف والقتل، ويرون أنه حكم أمسك بزمام الأمور بتفهّم إقليمي ودولي على رأسه الولايات المتحدة، في سياق يؤمل أن يكون ضمن ترتيبات أوسع تتعلق بمستقبل المنطقة كلها وليس سوريا فقط. ومع ذلك، فبعض السوريين الآخرين لا يخفون خشيتهم من أن تسقط البلاد مرة أخرى في حكم الفرد والتيار الحزبي الواحد، وإن كان في صيغة جديدة لن تدخر جهدا في النهوض بالمستوى المعيشي للناس وتحسين جودة الحياة والخدمات لكن بإسقاط الديمقراطية والحريات وعدم السماح بقيام مجتمع مدني حيوي ومستقل عن السلطة.
ورغم المرارات التي خلّفتها أحداث الساحل السوري والسويداء خلال الأشهر الماضية وتجاوزاتها الخطيرة، فإن ذلك لم يحل دون السعي لكبح أي نوازع طائفية أو عرقية كريهة يمكنها أن تجر البلاد إلى نزاع داخلي لا يبقي ولا يذر. ولهذا كان الاستبشار كبيرا بالتطورات الأخيرة التي شهدتها العلاقة بين الحكم و«قوات سوريا الديمقراطية» والتي أعادت الأمل في استعادة وحدة التراب السوري والحيلولة دون المضي نحو التقسيم أو إرساء كيانات خارج الشرعية استغلت بغير وجه حق ثروات البلاد النفطية التي هي ملك الشعب كله.
التطورات الأخيرة في سوريا أكّدت مرة أخرى أن الحكم الجديد يتمتع بما يمكن تسميته بمرافقة إقليمية ودولية تريد له النجاح لأن لا استقرار في المنطقة كلها، وخاصة لا إمكانية لواشنطن في المضي قدما في إعادة ترتيب المنطقة وفق ما تراه، دون توفير مقوّمات النجاح للحكم الجديد، لأن في نجاحه تيسيرا لما هو أكبر بكثير سواء تعلق الأمر بمستقبل المواجهة مع إيران، أو ضمان استقرار لبنان وإعادة هيبة الدولة فيه باحتكارها لوحدها حمل السلاح وقرار الحرب والسلم، أو حتى ما يتعلق أيضا بمستقبل قطاع غزة والضفة الغربية.
سوريا اليوم، والتي تنتظرها إعادة إعمار ما دمّره إجرام بشار الأسد وحلفاؤه تتراوح تقديراتها بين 300 و500 مليار دولار، باتت قطب الرحى في ما يخطط للمنطقة برمتها. القيادة الجديدة مدركة لذلك جيدا وتبدو واعية تماما بما عليها أن تقدّمه وما يمكن أن يٌقدم لها في المقابل، محاولة الاستفادة من كل ذلك إلى أقصى حد.
القدس العربي