أحمد الغز
يعيش لبنان كما المنطقة والعالم، مرحلة غير مسبوقة من اللايقين والتناقضات، حيث تختلط الوقائع بالرغبات، والتحليل بالأمنيات، والاستشراف بالوهم، وفي زمن اللايقين الشديد الغموض، المواطن اللبناني يعيش في اليوم الواحد ازمنة متعددة واحتمالات متعارضة، كأن البلاد بأكملها معلقة بين سيناريوهات مفتوحة واطروحات عديمة الوضوح.
المفارقة الاوضح هي أن الذين يجزمون اليوم بتحديد مسارات المستقبل، هم أنفسهم من يغيرون قراءاتهم في اللحظة ذاتها ويتقلبون بين دور المستشرف ودور الخائب وبين يقين الخبير والتباسات المنجم، ليس لأن الواقع شديد التعقيد، بل لأن الرغبات تتسلل إلى القراءات والتحليلات وتحول التوقعات الى امنيات ذاتية غير موضوعية.
ما يشهده العالم في زمن اللايقين من احداث متنقلة وصادمة لم تكن في معظم الحالات محل توقع أو استشعار جدي، والاستهدافات المتسارعة اسقطت هيبة مراكز القرار، وأربكت المؤسسات الدولية الناظمة، وكشفت هشاشة منظومات التحليل والاستشعار التقليدية، وتصدع البديهيات السياسية والإعلامية، وسقوط الحدود السيادية في القرية الكونية بعد ان تغيرت التعريفات الجيوسياسية القارية، وباتت القارات مجرد احياء صغيرة تتنقل بينها النزاعات خلال دقائق معدودات، حاملة معها تحولات عميقة ومعايير جديدة.
التحولات العميقة والغير متوقعة عممت اللايقين، ودفعت المنصات والوسائل الاعلامية إلى الانزلاق المتزايد نحو شخصنة التحولات الاستراتيجية والمصيرية للدول الكبرى والعميقة، والاحداث الكبرى التي نشهدها هي نتيجة مسارات مؤسساتية طويلة، والتي يتم تحويلها إلى اجتهادات فردية تنسب لبعض القادة والرؤساء، في حين ان ما يشهده العالم من احداث صادمة هو نتاج توازنات معقدة بين مؤسسات وخبرات ومصالح تنافسية عالمية، وليست نزوات شخصية او امزجة سياسية، أو حسابات انتخابية.
استشراف اليوم التالي في المنطقة والعالم عملية شبه مستحيلة، وخصوصا في لبنان الغارق في أزماته البنيوية، وهو الاكثر عرضة لارتدادات الزلازل الجيوسياسية في المنطقة والعالم، ولبنان ايضا من دون نظام مناعة ذاتية أو رؤية جامعة، واللايقين ليس مرحلة عابرة، والتعامل معه لا يجب ان يكون بالمبالغة في التنبؤ والادعاء والأمنيات، بل ببناء وعي جديد يعترف بمحدودية اليقين، والفصل ما بين الرغبات والوقائع، ويفتح نافذة عقلانية واقعية تتجاوز الاوهام في زمن اللايقين اللبناني والعالمي.
صحيفة اللواء