د. وائل نجم
لم تمض سوى ساعات قليلة على زيارة رئيس الحكومة نوّاف سلام إلى الجنوب وإلى منطقة العرقوب تحديداً، وحديثه عن عودة الدولة إلى المنطقة الجنوبية وإلى جنوب الليطاني تحديداً وسيادتها على هذه المنطقة حتى خرقت قوات الاحتلال الإسرائيلي هذه السيادة، وضربت بعرض الحائط كل الاتفاق التي عُقدت لوقف الأعمال العدائية، وتجاوزت مهام قوات حفظ السلام اليونيفيل، وأقدمت على خطف المواطن اللبناني عطوي عطوي وهو في العقد السابع من العمر من منزله في بلدة الهبارية تحت جناح الظلام بعد ترويع أهل بيته والاعتداء عليهم بالضرب، دون أن تقيم القوات المتسلّلة أيّ اعتبار لانتشار قوات الطوارئ الدولية في المنطقة، ولا للاتفاقات التي تمّ توقيعها لوقف الأعمال العدائية، وحصل كلّ ذلك تحت حجج وذرائع أنّ السيّد عطوي يشكّل خطراً على أمن المستوطنين، علماً أنّ مكان إقامته يبعد عن أقرب مستوطنة عشرات الكيلومترات، وعلماً أيضاً أنّ الجماعة الإسلامية التي ينتمي إليها السيّد عطوي ويشغل مسؤول منطقة حاصبيا ومرجعيون فيها أكّدت في كلّ بياناتها بعد توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 على التزام ما التزمت به الدولة اللبنانية، والوقوف خلفها فيما تذهب إليه، كما نفت أيضاً أي وجود عسكري لها في منطقة جنوب الليطاني أو غيره، وحتى خارج الحدود اللبنانية خاصة بعد مزاعم إسرائيلية عن تواجد للجماعة في منطقة "بيت جن" السورية.
من الواضح أنّ الجريمة والقرصنة الإسرائيلية لا تستهدف السيّد عطوي الجماعة التي ينتمي إليها لتبرير الاعتداء على لبنان فحسب، بل يستهدف لبنان دولة وشعباً وحكومة ووجوداً، إذ ما معنى أن تنفّذ قوات الاحتلال هذا الاعتداء والقرصنة بعد ساعات على زيارة رئيس الحكومة نوّاف سلام إلى هذه المنطقة؟! ما معنى أن تتسلّل مجموعة من جنود الاحتلال ليلاً وتقدم على خطف مواطن آمن من منزله؟!
إنّ هذا الاعتداء يبرهن أنّ قوات الاحتلال لا تقيم وزناً لا لتفاهمات ولا لاتفاقات ولا لتعهدات، إنّما تمضي قدماً في تحقيق مصالحها وسياساتها دون أن تقيم أيّ اعتبار لأيّ شيئ! والسؤال البديهي الذي يطرح نفسه في هذا الجو، ماذا عن السيادة والحديث عن السيادة في لبنان؟ ماذا عن ضمان أمن المواطنين في جنوب الليطاني أو في شماله أو في أيّ مكان؟! ماذا لو تكرّرت عمليات الخطف وتحوّلت إلى سياسة ونهج وهو المتوقع من "إسرائيل" إذا لم تلقَ ردّاً مناسباً ؟! هل يكفي الحديث عن السيادة وعن حضور الدولة والتغنّي والتغزّل بذلك؟ عل يمنع قوات الاحتلال من القيام بعمليات خطف أخرى؟ هل يطمئن المواطنين الجنوبيين في منازلهم وهم الذين لطالما نادوا بالانتماء إلى الدولة والوقوف معها وخلفها والوثوق بها؟ أم ترى تكرار مشاهد الخطف سيفرغ المنطقة من أبنائها وأهلها أو سيحوّلهم إلى اعتماد وسائل وبدائل لحماية أنفسهم من أن يصبحوا عرضة للتهديد اليومي والخطف الدائم؟! هذا فضلاً عن أسئلة أخرى كثيرة عن الثقة بالدولة ومؤسساتها وباليونيفيل ودورها بعد عملية القرصنة والخطف التي حصلت؟!!
الدولة اللبنانية والحكومة أمام امتحان عسير، وليست الجماعة الإسلامية ولا أيّ مكوّن سياسي جنوبي أو وطني آخر أمام هذا الامتحان. الجماعة الإسلامية التي ينتمي إليه المخطوف عطوي عطوي أكّدت مراراً إيمانها بالدولة والوقوف خلفها والالتزام بما تلتزم به تجاه الاتفاقات التي عقدتها لوقف الحرب المجنونة والهمجية على لبنان، ترى ما هو المطلوب بعد ذلك؟ هل المطلوب أن يغادر أبناؤها من أبناء القرى الحدودية منازلهم وقراهم ويرحلوا عنها في تهجير يستهدف كل أبناء تلك القرى؟! هل من ضمانة أن لا تقوم قوات الاحتلال بممارسة سياسة القرصنة والخطف بحق أيّ مواطن آخر تحت أيّ ذريعة ومزاعم أخرى؟!
الدولة اللبنانية والحكومة اللبنانية أمام امتحان عسير لوضع حدّ هذا الاعتداء السافر على السيادة والأرض والكرامة، بل لتأمين حماية اللبنانيين في هذه المناطق الحدودية، وهذا مسؤوليتها وواجبها، ومن الواجب والمفترض أن تطرح كلّ الوسائل والبدائل لتأمين هذه الحماية والدفاع عن تلك السيادة وعدم الاكتفاء فقط بالحديث عن ذلك كما لو أنّه نشيد أو أغنية ننشده أو نغنّيها عند اللزوم؛ عدم الاكتفاء بالمراهنة على الرعاة الدوليين أو على الأمم المتحدة وقد مرّ جنود الاحتلال المتسلّلون لخطف السيد عطوي من أمام مركزهم ولم يمنعوهم أو نقل لم يلحظوا حركتهم وتسلّلهم!
اليوم الاعتداء على السيادة وعملية الخطف كانت في بلدة الهبارية التي تبعد عن أقرب مركز لقوات الاحتلال في مزارع شبعا المحتلة قرابة 7 كيلومترات؛ غداً قد تكون عملية الخطف التالية في عمق الأراضي اللبنانية، وبعد غد قد يصبح كلّ اللبنانيين أسرى لدى الاحتلال في معتقل دولة اسمه لبنان، فهل هذا هو المقبول أن المطلوب؟! آن الأوان لتحرك جدّي حقيقي يعيد السيد عطوي وكل الأسرى إلى وطنهم وأهلهم، ويحمي الوطن من الأطماع التي تتربّص به شرّاً.
موقع مجلة الأمان