محمد علوش
لا تتخذ الخيارات السياسية دون العودة للتاريخ، فالتجارب يفترض أن تبقى حاضرة لتكون عبرة تساهم برسم خطوات مستقبلية، لذلك فإن مسألة خروج الثنائي الشيعي من الحكومة، أو الاعتكاف أو الاعتصام، في هذه اللحظة المفصلية من عمر البلد ستكون بمثابة خيار ثقيل، محفوف بالتجارب السابقة، ومثقل بالأسئلة، فالتاريخ القريب، وتحديدًا تجربة الانسحاب من حكومة فؤاد السنيورة بعد حرب تموز منذ 20 عاما، لا يسمح باتخاذ القرار قبل إجراء الحسابات السياسية الدقيقة.
في حينه، خرج الوزراء الشيعة من الحكومة، ونُصبت الخيم في وسط بيروت، ودام الاعتصام قرابة السنتين، من أجل إسقاط الحكومة أو شلّها سياسيا من خلال اسقاط صفة الميثاقية عنها، وفرض معادلة جديدة تعكس موازين القوى الحقيقية في البلد، لكن ما حصل فعليا هو أن الحكومة لم تسقط، لم تُشلّ، بل استمرت، واتخذت قرارات مصيرية، بعضها خطير، فيما كانت البلاد تُدار بمنطق "الأمر الواقع”، وبدعم دولي كامل، وبحماية غربية مباشرة، فهل يتكرر المشهد نفسه اليوم؟.
بحسب مصادر مطلعة فإن فكرة الاعتكاف او الخروج من الحكومة هي فكرة مطروحة داخل الثنائي الشيعي، وتكاد تكون المطلب الشعبي في الوقت الراهن، مشيرة عبر "النشرة" الى وجود نقاش حقيقي حول الخطوات التي قد تتخذ، فالبعض يرى في الاعتكاف أو الخروج خطوة ضغط، رسالة سياسية عالية السقف، وقد تكون مدخلًا لخلط الأوراق وإعادة رسم المشهد. في المقابل، هناك من يرى وهو رأي لا يمكن تجاهله أن هذا الخيار قد يفتح الباب واسعا أمام حكومة أقل إحراجا، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات مصيريّة بإجماع "الحاضرين"، ومن دون الحاجة إلى مراعاة مكوّن أساسي في البلد، وذلك بدعم عربي ودولي يشبه دعم حكومة السنيورة.
بحسب المصادر فإن التجربة تقول إن السلطة في لبنان لا تتوقف عند الميثاقية عندما يكون الخلاف السياسي مستفحلا، ولا تتعطل بغياب فريق عندما يكون الهدف كسره، خصوصا حين يتوفر الغطاء الخارجي.
لذلك فالمشكلة ليست في الخروج بحد ذاته، بل في ما بعد الخروج، لانه من دون خطة عمل سياسية واضحة، من دون مسار تصعيد مدروس، من دون أدوات ضغط فعلية داخل المؤسسات أو في الشارع أو في الإقليم، قد يتحول من ورقة قوة إلى ورقة ضعف، وقد تتحول الخطوة الى غطاء لتمرير ما كان يصعب تمريره بوجود الثنائي داخل الحكومة.
بالمقابل ترى المصادر أن ذلك لا يعني أن البقاء في الحكومة خيار مقدّس، ففي احيان كثيرة تتحول الشراكة إلى قيد، لكن الفرق بين القرار السياسي والمسار الانفعالي هو اجراء الحسابات بشكل هادئ، ومعرفة حجم الايجابيات والسلبيات المنتظرة من خطوات كهذه لان ما بعد خطوة كهذه لن يكون كما قبلها.
من هنا تؤكد المصادر أن المطالب الشعبية قد لا تكون قادرة احيانا على فهم الابعاد، فعلى سبيل المثال طالب الجمهور وزراء الثنائي بطرح الثقة بوزير الخارجية يوسف رجي بعد تصريحاته المثيرة للجدل، ولكن ماذا لو طرح الثنائي الثقة فعلا وهم يعلمون ان الثقة ستُجدد للوزير، فهل خطوة كهذه ستجعل الوزير اقوى او اضعف؟ وهل تقدم رسالة قاسية بحال حصلت، مشيرة الى ان الاجابات على هذه الأسئلة وما يشبهها هي التي تحدد الخطوات المستقبلية.
ترى المصادر ان ليس من مصلحة احد اليوم اقفال ابواب التواصل، تحديدا بين الثنائي ورئيس الجمهورية، فالامور في المنطقة، كما في لبنان، مفتوحة على كل الاحتمالات، وما هو مطلوب اليوم الحد الادنى من الوحدة الوطنية، وعندما تفشل كل الخيارات التوافقية سيكون لكل حادث حديث.
موقع النشرة