"التوطين والتطبيع": مواجهة التهويل _ رفيق خوري


رفيق خوري

لا نهاية لسياسات التهويل في لبنان وعلى اللبنانيين. ولا فرق سواء جاء التهويل من طرف داخلي محشور في موقف صعب، فيحاول تغيير الموضوع بطرح موضوع ليس في وقته، أو من قوة دولية مثل أميركا وتعمل على خطة إقليمية واسعة. العنوان الثابت من زمان في التهويل هو "التوطين". والعنوان المستجد هو "التطبيع". توطين الفلسطينيين في لبنان. وتطبيع لبنان مع إسرائيل. وهما معاً مرتبطان بما يدور على مسرح الشرق الأوسط وما ينتهي اليه الصراع العربي-الإسرائيلي ولعبة المشروع الإيراني ونفوذ طهران في المنطقة، واللعبة بين الكبار على قمة العالم حيث لا تزال أميركا قبل ترامب ومعه وبعده اللاعب الأكبر.

والكل يعرف الحقائق، بصرف النظر عن الخطاب. ما يمنع التوطين ليس مجرد ورود نص قوي في مقدمة الدستور المعدل بعد الطائف. وما يحقق حق العودة للفلسطينيين ليس القرار الدولي 194، ولا سلاح المخيمات، ولا اتفاق أوسلو، ولا كل التسويات التي حدثت والتي لم تحدث بعد. ففي كل المفاوضات بين منظمة التحرير وإسرائيل برعاية أميركا ودعم العرب، كان العرض على الطاولة هو عودة نحو آلاف من كبار السن إلى إسرائيل. ففي أي تسوية يعرف الفلسطينيون والعرب في السلطة الوطنية وخارجها أن إسرائيل لن تعيد ملايين اللاجئين إلى مدنهم وقراهم داخل الخط الأخضر، لأن ذلك يعني نهايتها بالديموغرافيا من حيث فشلت القوة والدبلوماسية. ما يضمن العودة هو تحرير فلسطين لا أكثر ولا أقل. وما يحدث مع الوقت هو توطين بقوة الأشياء في البلدان العربية، ونوع من التوطين المسلح في لبنان من دون حاجة إلى جنسية واعتراف.

وما يمنع التطبيع مع إسرائيل ليس سلاح المقاومة الإسلامية بل المصلحة الوطنية اللبنانية وتوازن القوى، والتزام لبنان الرسمي بالمبادرة العربية للسلام التي خرجت من قمة بيروت عام 2002، وأكدت أن "السلام خيار العرب الاستراتيجي"، وأن السلام والاعتراف بإسرائيل هما مقابل الانسحاب الإسرائيلي من الأرض المحتلة، وقيام دولة فلسطينية على حدود ما قبل حرب 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. لا بل أن لبنان سيكون الدولة الأخيرة بين العرب في التطبيع مع إسرائيل، وخصوصاً بعد المملكة العربية السعودية، التي تربط التطبيع بالدولة الفلسطينية. مفهوم أن الضغوط الأميركية قوية على الوطن الصغير. فالرئيس دونالد ترامب يركز على أهداف عدة في الشرق الأوسط، في مقدمها ضم المزيد من الدول العربية إلى "اتفاقات أبراهام" التي عمل عليها في ولايته الأولى، وشملت اتفاقات الإمارات العربية، البحرين، المغرب والسودان مع إسرائيل. وموفد ترامب إلى المنطقة مطور العقارات ستيف ويتكوف، يكرر القول يومياً إن التطبيع بين إسرائيل وكل من لبنان وسوريا صار قريباً. ونائبته مورغان أورتاغوس تصر على التطبيع في نهاية المفاوضات عبر ثلاث لجان بين لبنان وإسرائيل، حول النقاط الخمس والأسرى، وترسيم الحدود البرية. لكن لبنان لن يخضع للضغوط أولاً لأن ذلك قد يؤدي إلى نتائج غير معروفة، كما حدث بعد تجربة اتفاق 17 أيار في الثمانينات. وثانياً لأن من المستحيل على السعودية وسوريا ولبنان قبول التطبيع من دون الانسحاب من الأرض المحتلة، وقيام دولة فلسطينية. وثالثاً لأن ترامب ونتنياهو يعلنان باستمرار، لا فقط رفض قيام دولة فلسطينية، بل أيضاً العمل لضم غزة والضفة الغربية إلى إسرائيل. وليس التهويل بالتوطين ثم التطبيع سوى لعبة من أجل أهداف أخرى. والتحديات في المنطقة أكبر من التوطين والتطبيع.

صحيفة نداء الوطن

"التوطين والتطبيع": مواجهة التهويل _ رفيق خوري