العميد الركن نزار عبد القادر
في ظل الحشود العسكرية الاميركية الكبيرة التي تشهدها منطقة الشرق الاوسط، واقتراب حاملة الطائرات الاميركية ابراهام لنكولن مع المدمرات الثلاث المرافقة لها من الشواطئ الايرانية يمكن القول بأن شبح الحرب قد تبدّد آنياً بعد قرار الرئيس ترامب بتأجيل العملية العسكرية ضد ايران، بعد تراجعها عن قرار البدء باعدام 800 متظاهر ايراني، جرى توقيفهم في المظاهرات الشعبية الواسعة، والتي كانت قد اجتاحت 50 مدينة ايرانية، بما فيها العاصمة طهران منذ تاريخ الثامن والعشرين من كانون الثاني الماضي. وبالرغم من توقف المظاهرات فإن الازمة في العلاقات الاميركية والاسرائيلية مع ايران ما زالت معرضة لتشهد توترات جديدة، قد تؤدي الى اقتراب شبح الحرب من جديد، وهذا ما اشارت اليه تصريحات للرئيس ترامب على طائرته الرئاسية، وتأكيده بأن كل الخيارات ما زالت مطروحة على طاولة القرار الاميركية، لكن يبدو بأن الرئيس الاميركي الى جانب عدم استبعاده للخيار العسكري نهائياً، فقد أبقى الباب مفتوحاً على امكانية حصول محادثات مع ايران لتخفيف الاحتقان القائم، وبدء البحث من جديد عن مخارج عملية للمعضلة النووية الايرانية.
في المقابل حذّر قائد الحرس الثوري محمد باكبور من ان «قواته في اعلى جاهزيتها وإصبعها على الزناد»، وكما هو معلوم فإن الاجواء المتوترة بين واشنطن وطهران ما زالت قائمة في اعقاب حملة القمع العنيفة التي شنتها السلطات الايرانية ضد المتظاهرين، والتي اودت بحياة ما يقارب 6000 مواطن واعتقال ما يقارب 30000 متظاهر.
قال مسؤول ايراني يوم الجمعة الماضي لوكالة «رويترز» ان ايران ستتعامل مع أي هجوم اميركي على انه «حرب شاملة ضدنا».
واضاف: نأمل الا يكون هذا الحشد الكبير للقوات الاميركية مُعداً لمواجهة حقيقية. ان على الولايات المتحدة ان تدرك «بأن جيشنا مستعد لأسوأ السيناريوهات، واننا سنرد ولا خيار امامنا سوى ضمان استخدام كل ما لدينا من موارد عسكرية للرد».
من المعلوم بأن القوات الاميركية تنتشر في عدد كبير من القواعد في منطقة الشرق الاوسط منذ عقود، وهي تمتد من قاعدة «انجرليك» في تركيا لتغطي عدداً من الدول الخليجية، وصولاً الى قاعدة «دييغو غارسيا» في المحيط الهندي، لكن الحشد الراهن قد رفع من قدرات القوات الاميركية لدرجة الدخول في عملية عسكرية واسعة ضد ايران، حيث استقدمت الى جانب حاملة الطائرات ومجموعتها المجهزة بصواريخ «توماهوك» أسراباً من القوات الجوية من طائرات «أف 35 - ليتننيغ» وطائرات «أف 15 استرايك»، بالاضافة الى مزيد من الجنود وبطارات للدفاع الجوي، وهذا ما يعني بأن هذا الحشد سيكون كافياً لشن حرب مدمرة في العمق الايراني.
في رأينا انه بالرغم من تراجع ترامب آنياً عن تنفيذ الضربة التي وعد بها، الا ان ذلك لا ينفي خطورة الحالة الناتجة عن هذا الحشد العسكري الكبير. فالحشد العسكري، وكما هو معروف من التجارب الاوروبية المتكررة والطويلة في الحروب فإن الحشد العسكري غالباً ما يؤدي الى اندلاع الحرب، الامر الذي تؤيده المبادئ المعتمدة في نظرية الحرب.
من المعلوم بأن الازمة بين واشنطن وطهران متفاقمة منذ قرار الرئيس ترامب الخروج من الاتفاقية النووية الموقعة من قبل القوى الدولية (1+5) في ولايته الاولى عام 2018، ولا يبدو حتى الآن في الولاية الثانية بأننا نقترب من مفاوضات مثمرة بين الدولتين، لا بل فإن العلاقات قد زادت سوءاً منذ الضربة الجوية الاميركية الاخيرة على ثلاث منشآت نووية ايرانية في اصفهان وناطنز وفوردو، ولا امل حتى الآن في ايجاد مقاربة عملية لاستئناف المفاوضات لحل ازمة 440.3 كلغ من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، ومخاطر الازمةالراهنة لا تقتصر على التوتر القائم بين الدولتين، حيث تتدخل اسرائيل فيه كلاعب اساسي بحثاً عن حل عسكري ناجع يستأصل الازمة النووية مع ايران من جذورها.
لكن تدرك ايران الآن مدى عمق الازمة التي تواجهها بابعادها الاميركية والاسرائيلية والداخلية، والتي تؤكد على وجود مخاطر عالية على مستقبل الجمهورية الاسلامية، فالرئيس ترامب سبق له ان هدد باسقاط النظام من خلال تنفيذ ضربة عسكرية واسعة. كما يدرك المسؤولون الايرانيون بأن وقف المظاهرات في الداخل لا يعني انتهاء الازمة الحادة التي تواجهها ايران بسبب الازمة الاقتصادية وانهيار قيمة النقد الايراني، بالاضافة الى تعميم آفة الفساد. ان ايجاد الحلول للازمة الداخلية لا يقل خطورة وتعقيداً عن الازمة مع واشنطن.
من المؤكد بأن تحالف المتشددين مع الاصلاحيين لمواجهة الازمة المتفجرة في الشوارع لن يكون قادراً من خلال مصالحه الراهنة وردود فعله القاسية ضد المتظاهرين على ايجاد حل ناجع، من هنا فإن العودة الى حالة الهدوء ستكون مؤقتة، بانتظار توافر الظروف الملائمة لاندلاعها من جديد.
تدرك النخب الايرانية بعد التجربة الاخيرة سواء في الحرب الاسرائيلية الاميركية او في احداث الشارع بأن اية عملية اصلاحية تستلزم تغيير جذري في السلطة، يبدأ بالتخلص من سلطة المرشد علي خامنذي وفريق المتشددين المرتبط به، ولن يحدث مثل هكذا تطور الا من خلال تنفيذ عملية انقلابية سريعة ومفاجئة، لكن لا يبدو في الافق بأننا على ابواب انقلاب يشارك فيه الحرس الثوري. لكن تبقي مشكلة كبرى متمثلة بالسؤال عن الجهة الجديدة الرائدة في القيادة، وعما اذا كانت من الجيل الجديد ام من الاصلاحيين التقليديين، اذا سيطر التقليديين فإن ذلك سيعني بقاء النظام الفردي التيوقراطي، والذي سيمثل حاجزاً امام الانفتاح والتطور، والقبول بمبدأ الحوار والمصالحة مع دول المحيط، ومع القوى الدولية، وخصوصاً مع الولايات املتحدة.
اما في حال صعود طبقة شابة الى السلطة، فإن ذلك سيعني تراجع التيار الديني في الداخل، وتشدد مع الخارج دفاعاً عن مصالح الشعب الايراني وحماية ثرواته، مع التأكيد على غياب وجود اي مسعى من الطرفين لإقامة حكم ديمقراطي، سيتطلب في رأينا، اي تحرك فعلي نحو الديمقراطية سيتطلب وجود دعم خارجي للسلطات الجديدة، يبدأ من رفع العقوبات، كما يتطلب حماية داخلية تؤمنها قيادات الحرس الثوري الداعمة للنظام الجديد، بالتضامن مع التيار الشعبي الداعم للحكم الجديد.
في النهاية اعتقد بأن ايران ما زالت بعيدة عن الدخول فعلياً في اي تجربة ديمقراطية من هذا النوع قد تدفع مع مصالحة اقليمية ودولية.
في رأينا سيكون من الصعب جداً في ظل الظروف الراهنة ايجاد مخارج فعلية للازمة الايرانية الراهنة وذلك بعد ان طرحت عليها الولايات المتحدة اربعة خيارات مستحيلة، تشمل التخلص من البرنامج النووي وتقييد صناعة الصواريخ الباليستية، ووقف دعم الاذرعة المسلحة الاقليمية وعلى رأسها حزب االله، والاعتراف بدولة اسرائيل. في ظل الظروف الراهنة فمن المتوقع ان يستمر الدوران الايراني في حلقة مفرغة.