إسلام جحا - خاص
الفجر
قد يبدو اليوم مجرد مشروع على الورق، لكنه يحمل في طياته وعدًا
بإعادة رسم خريطة النقل والاقتصاد في لبنان. فبعد سنوات من الجمود، عاد مشروع نفق
بيروت – البقاع إلى الواجهة مدفوعًا بقرار حكومي بإطلاق دراسة الجدوى ورصد
الاعتمادات اللازمة لها، على أن تبدأ المناقصة مطلع العام المقبل وفق نظام البناء
والتشغيل والتحويل (BOT).
وتعود فكرة المشروع إلى سنوات طويلة، حيث كان مطلبًا موحّدًا لنواب
البقاع عام 2018 قبل أن يقرّ مجلس النواب عام 2020 قانونًا يجيز للحكومة إنشاء
النفق بطول يقارب 25 كيلومترًا بالشراكة مع القطاع الخاص بأسلوب PPPs، على أن يربط مرفأ بيروت
مباشرة بالبقاع، ويشكّل امتدادًا للأوتوستراد العربي.
ويأتي إحياؤه اليوم بعدما أعلن رئيس الحكومة نواف سلام إطلاق دراسة
الجدوى، معتبرًا أن المشروع سيفتح الباب أمام إنشاء ميناء جاف في البقاع يشكل
امتدادًا عمليًا لمرفأ بيروت، مع إمكانية ربطه بمسار مشروع الممر الاقتصادي بين
الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC).
ويستند المشروع إلى نظام الـBOT، الذي يتيح للقطاع الخاص تمويل المشروع
وإنشاءه وتشغيله لفترة زمنية محددة قبل إعادته إلى الدولة، ما يعني، وفق الأسباب
الموجبة للقانون، عدم تحميل الخزينة أعباء مالية مباشرة، مع الاستفادة من قانون
الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وخلال السنوات الماضية، خضع المشروع لتعديلات
على مساره من قبل معارضيه. فبدل الاكتفاء بنفق طويل، طُرحت رؤية تقوم على طريق
سريع يمتد بمحاذاة المتنين الجنوبي والشمالي، وينطلق من قناطر زبيدة عبر وادي نهر
بيروت، ثم يمر بين رأس المتن وبيت مري، وبين صليما وبعبدات، وصولًا إلى منطقة جسر
الخشب، حيث يبدأ النفق باتجاه البقاع. ويقول أصحاب هذا الطرح إن التعديل يراعي
الاعتبارات البيئية والهندسية، ويخفف المخاطر المرتبطة بإنشاء نفق طويل بارتفاعات
كبيرة، كما يحقق حماية أفضل للأودية والخزانات المائية.
ويؤكد مؤيدو
المشروع أنه يتجاوز كونه طريقًا بديلًا لضهر البيدر، ليصبح ركيزة إنمائية
واستراتيجية، إذ يختصر زمن التنقل بين بيروت والبقاع إلى نحو نصف ساعة بدلًا من
ساعات في اوقات الذروة، ويخفف الازدحام والحوادث الناتجة عن الثلوج والسيول، كما
يعزز فرص العمل والتعليم والتنمية الريفية، فضلًا عن تنشيط التجارة بين مرفأ بيروت
والدول العربية.
كما يطرح بعض النواب أفكارًا إضافية، من بينها تخصيص مسارات للسيارات
والقطارات داخل المشروع، والاستفادة من الموارد المائية في المنطقة لإنشاء سد
يساهم في تأمين المياه وتوليد الطاقة.
ويرى نواب البقاع أن المشروع يمثل مطلبًا
إنمائيًا قديمًا، ويمنح المنطقة فرصة للتحول إلى مركز لوجستي وصناعي، خصوصًا مع
إنشاء ميناء بري يخفف الضغط عن مرفأ بيروت ويعزز حركة البضائع نحو الأسواق
العربية، بما ينعكس على الاقتصاد الوطني ويحد من هجرة الشباب عبر توفير فرص عمل
جديدة.
في المقابل، يثير المشروع تساؤلات لدى عدد من الخبراء في شؤون النقل،
الذين يعتبرون أن أي مشروع بهذا الحجم يجب أن يندرج ضمن مخطط وطني متكامل للنقل
يشمل الطرق وسكك الحديد والمرافئ، لا أن يكون مبادرة منفصلة. كما يطرحون علامات
استفهام حول أولويات التنفيذ في ظل الأوضاع الاقتصادية والمالية الراهنة، ومصادر
التمويل الفعلية، وجدوى الاستثمار في مشاريع ضخمة قبل استكمال رؤية شاملة لقطاع
النقل.
وبين الرؤية التنموية والطروحات النقدية، يعود
نفق بيروت – البقاع إلى واجهة النقاش مجددًا كاختبار لقدرة لبنان على تحويل
المشاريع المؤجلة إلى خطط قابلة للتنفيذ، وربط إعادة الإعمار برؤية اقتصادية
متوازنة تعيد وصل العاصمة بمحيطها الداخلي والعربي