إسلام
جحا - خاص الفجر
في تحوّل ميداني غير مسبوق منذ أكثر من ربع قرن،
دخل الجنوب اللبناني مرحلة جديدة مع إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي ما يُسمى
بـ"الخط الأصفر"، ناقلًا عمليًا الحدود من "الخط الأزرق" الذي
ثُبّت عام 2000 تنفيذًا للقرار الدولي 425، إلى خط عسكري جديد يتوغّل داخل الأراضي
اللبنانية لمسافة تصل إلى نحو 10 كيلومترات.
أولى الشواهد على هذا التحوّل تمثّلت في مشهد
النائب حسن فضل الله، الذي وصل إلى بلدة تبنين القريبة من الخط الجديد، لكنه لم
يتمكن من التقدم نحو بلدته عيناتا التي أصبحت ضمن نطاق السيطرة الإسرائيلية. هذا
المشهد اختصر واقع عشرات القرى الجنوبية التي باتت فجأة خارج متناول سكانها.
وبحسب مسؤولين من الاحتلال، فإن "الخط
الأصفر" هو نموذج مستنسخ من قطاع غزة، حيث أنشأ جيش الكيان الإسرائيلي منطقة
عازلة محظورة على السكان. في لبنان، يشمل هذا الخط 55 قرية يُمنع أهلها من العودة
إليها، في إطار ما تصفه حكومة بنيامين نتنياهو بإجراءات أمنية ميدانية، بينما تؤكد
الوقائع أن المنطقة تحوّلت إلى حزام أمني خاضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.
الاتفاق
الذي أعلنته وزارة الخارجية الأميركية في 16 نيسان الجاري، ونصّ على وقف إطلاق نار
لمدة 10 أيام، لم يتضمن أي التزام إسرائيلي بالانسحاب من جنوب لبنان. بل على
العكس، استمرت القوات الإسرائيلية في مواقعها، وواصلت عمليات التدمير الممنهج
للقرى والبنية التحتية، بعد أن أجبرت السكان على النزوح جنوب نهر الليطاني، في
منطقة تشكّل نحو 8% من مساحة لبنان.
المعطيات الميدانية تشير إلى أن "الخط
الأصفر" ليس مجرد ترسيم جديد، إنما عقيدة عسكرية تقوم على تثبيت السيطرة ومنع
العودة. فقد حدّد جيش العدو الإسرائيلي هذا الخط بناءً على نطاق انتشار الصواريخ
المضادة للدروع التي واجهها خلال عملياته البرية، ليحوّله إلى خط مواجهة دائم.
وتؤكد إذاعة الجيش الإسرائيلي أنه لا توجد نية للانسحاب من هذه المناطق، حتى بعد
انتهاء مهلة وقف إطلاق النار.
داخل
هذه المنطقة، تستمر العمليات العسكرية بوتيرة عالية، تشمل تدمير المنازل تحت ذريعة
استهداف بنى تحتية لـ"حزب الله"، واستهداف أي تحركات تُعتبر تهديدًا،
إضافة إلى تحليق دائم للطائرات المسيّرة. كما يوجّه العدو الإسرائيلي إنذارات
لمقاتلي الحزب داخل هذه المناطق، مطالبًا إياهم بالاستسلام أو مواجهة الاستهداف
المباشر على غرار ما حصل في قطاع غزة.
وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن الحزب تلقى
"ضررًا عميقًا" مقارنة بما كان عليه قبل أكتوبر 2023، مع الإقرار
باستمرار امتلاكه قدرات عسكرية. وهو ما يدفع الكيان، وفق توصياته العسكرية، إلى
الإصرار على إبقاء الحزام الأمني، وعدم الانسحاب من "الخط الأصفر"، ونزع
السلاح جنوب الليطاني، مع فرض رقابة أميركية على المنطقة.
تاريخيًا، يعيد هذا المشهد إلى الأذهان مراحل
سابقة من الاحتلال، بدأت بعملية الليطاني عام 1978، ثم الاجتياح الكبير عام 1982،
وصولًا إلى الانسحاب الإسرائيلي عام 2000. إلا أن الفارق اليوم يكمن في إعادة
إنتاج نموذج السيطرة الأمنية، ولكن بعقيدة جديدة مستمدة من تجربة غزة، حيث تحوّلت
مساحات واسعة إلى مناطق عسكرية مغلقة.
وتبرز مفارقة لافتة في دور قوات
"اليونيفيل"، التي كانت منذ عام 1978 شاهدًا على الحدود الدولية، لكنها
اليوم تقف مجددًا أمام واقع ميداني يتغير دون قدرة فعلية على منعه، رغم استمرار
دورياتها في بعض المناطق.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن وقف إطلاق النار
الحالي ليس سوى هدنة هشّة، تُستخدم لتثبيت وقائع ميدانية جديدة، أكثر من كونها
خطوة نحو تسوية دائمة. فإسرائيل تربط أي استقرار مستقبلي بالإبقاء على سيطرتها
الأمنية، بينما يرفض "حزب الله" المسار التفاوضي، ما يجعل احتمالات
التوصل إلى اتفاق طويل الأمد رهينة تعقيدات إقليمية.
وبين
خط أزرق طُوي بعد 26 عامًا، وخط أصفر يُفرض بالقوة، يقف الجنوب اللبناني أمام
مرحلة مفتوحة على احتمالات طويلة، حيث لا يبدو أن الانسحاب الإسرائيلي مطروح في
المدى القريب، في مشهد يعيد رسم الجغرافيا السياسية والأمنية للمنطقة من جديد.