إسلام جحا - خاصّ
الفجر
لم تكن الامتحانات الرسمية هذا العام
مجرّد استحقاق تربوي ينتظره الطلاب، بل تحوّلت إلى مرآة عكست حجم الأزمات التي
يرزح تحتها لبنان، من النزوح إلى التفاوت في الواقع التعليمي بين المناطق. ومع
تصاعد الجدل حول مصير عشرات الآلاف من التلامذة، برزت الدعوات إلى إيجاد مخرج
استثنائي يراعي الظروف غير المسبوقة التي فرضتها التطورات الأمنية والإنسانية على
العام الدراسي.
وفي ذروة النقاشات المحتدمة، ذكّر عضو
لجنة التربية النيابية النائب إدكار طرابلسي بأن الامتحانات الرسمية أُلغيت ستَّ
مرات في تاريخ لبنان، مشددًا على أن قرار إجرائها أو إلغائها يعود إلى وزير
التربية وليس إلى مجلس النواب. ومع انعقاد جلسة مجلس الوزراء في قصر بعبدا، حُسم
الجدل أخيرًا بإعلان وزيرة التربية ريما كرامي إعفاء التلامذة من الامتحانات
الرسمية ومنحهم إفادات نجاح، في خطوة استثنائية فرضتها ظروف استثنائية تعيشها
البلاد.
القرار الذي أُعلن الخميس جاء بعد
أشهرٍ من النقاشات الحادّة بين وزارة التربية والهيئات التعليمية والأهالي
والطلاب، وفي ظلّ واقعٍ أمنيٍّ وتعليميٍّ بالغ التعقيد. وأوضحت كرامي أن التلامذة
المسجّلين سيُمنحون إفادة نجاح للعام الدراسي 2025-2026 استنادًا إلى نتائج
التقييم المدرسي، شرط تحقيق معدلٍ لا يقلّ عن 9.5، على أن تُنظَّم دورةٌ
استثنائيةٌ للمرشحين الأحرار والطلاب الراسبين، وكذلك للناجحين الذين لديهم حاجةٌ
ملحّةٌ للحصول على شهادةٍ رسمية.
وبرّرت الوزيرة القرار بعجز الجهات
الأمنية والعسكرية، في الظروف الحالية، عن توفير الضمانات اللازمة لإجراء
الامتحانات بطريقةٍ تؤمّن العدالة وتكافؤ الفرص بين جميع الطلاب، وهو العامل الذي
تصدّر النقاش منذ أسابيع مع اتساع الفجوة التعليمية بين المناطق اللبنانية.
اعتصامات الطلاب والأهالي رافقت
اجتماعات سابقة كانت فد عُقدت لدراسة هذا الملف الذي أصابته شظايا الحرب. فمنذ الثاني من آذار الماضي تعرّض
قطاع التعليم لهزّةٍ غير مسبوقة. وتشير المعطيات إلى نزوح أكثر من 1.1 مليون شخص
داخل لبنان، بينهم نحو 500 ألف طفلٍ في سنّ الدراسة. كما أُغلقت مئات المدارس بسبب
الأوضاع الأمنية أو نتيجة تحويلها إلى مراكزٍ لإيواء النازحين، فيما باتت المدارس
الرسمية من أكثر المؤسسات تضرّرًا من تداعيات الحرب.
وتُظهر الدراسات
التربوية أن الحرب عمّقت فجواتٍ تعليميةً كانت قائمةً أصلًا.
وبحسب مركز الدراسات اللبنانية، جرى
تحويل 550 مدرسةً رسميةً من أصل 1228 إلى مراكز إيواء، فيما نزح نحو 300 ألف طالبٍ
وطالبة. ولم يتوقف التعليم بالكامل، لكنه أصبح متفاوتًا بصورةٍ كبيرة بين منطقةٍ
وأخرى، تبعًا لمستوى الأمان وتوافر الإنترنت والأجهزة الإلكترونية وإمكانات
التعليم عن بُعد.
هذا الواقع خلق مشهدًا تعليميًا غير
متكافئ. فبعض المدارس تمكّن من إنجاز ما بين 80 و100 في المئة من المناهج، فيما لم
تستطع مدارسٌ أخرى تجاوز نصف المقررات الدراسية بسبب النزوح والقصف والانقطاع
المتكرر عن التعليم. ومع هذا التفاوت، برزت تساؤلاتٌ واسعة حول إمكانية إخضاع جميع
الطلاب لامتحانٍ موحّد يفترض مسبقًا تساوي ظروفهم التعليمية.
وفي خضمّ النقاش، ارتفعت أصواتٌ
أكاديميةٌ وتربويةٌ اعتبرت أن الأزمة ليست أزمةَ إدارةٍ للامتحانات بقدر ما هي
أزمةُ قرار. ورأى خبراء تربويون أن الإصرار على تنظيم امتحاناتٍ موحّدة في ظلّ
حربٍ مفتوحة كان سيؤدي إلى تكريس اللامساواة بين الطلاب بدلًا من معالجتها، خصوصًا
أن آلاف التلامذة عاشوا خلال العام الدراسي بين النزوح والتنقّل وفقدان الاستقرار.
كما دخل البعد
النفسي بقوةٍ على خطّ النقاش، في مقابل موقف التربية اللبنانية المتمسك بضرورة
الحفاظ على مصداقية الشهادة الرسمية، مما استدعى البحث عن آلياتٍ بديلةٍ للتقييم
تتركز على تجاربَ دوليةٍ اعتمدت التقييم المدرسي أو خفّفت متطلبات الامتحانات في
مناطق النزاعات والكوارث.
اليوم، لا يختصر قرار إلغاء الامتحانات الرسمية
قضيةً تربويةً فحسب، بل يعكس واقع بلدٍ يعيش حربًا ألقت بثقلها على المدارس كما
على المنازل. فحين تتحوّل الصفوف إلى مراكز إيواء، ويصبح الوصول إلى التعليم
امتيازًا لا يتوافر للجميع، تتجاوز المسألة حدود الامتحان نفسه لتطرح سؤالًا أكبر:
كيف يمكن الحفاظ على العدالة التعليمية في زمنٍ تتفاوت فيه فرص التعلّم بقدر تفاوت
المسافات عن الخطر؟