تقارير خاصة

السياحة في لبنان على المحك: 75% من الحجوزات تبخّرت بعد الحرب!

إسلام جحا – خاصّ الفجر

موسمٌ على حافة الانهيار. بهذه العبارة يمكن اختصار واقع القطاع السياحي بعد حربٍ بدّدت الآمال بعودة النشاط إلى أحد أبرز أعمدة الاقتصاد الوطني. فبعد مؤشرات إيجابية محدودة أعقبت فترةً من الهدوء، أعادت المواجهات العسكرية البلادَ إلى نقطة الصفر، لتتراجع الحجوزات بنسب قياسية، وتتوقف حركة الزوار، فيما تواجه الفنادق والمطاعم ومكاتب السفر خسائر متراكمة تهدد استمرارية آلاف المؤسسات والعاملين في القطاع.

 

وتظهر الأرقام حجم الأزمة بوضوح. فقد كشف اتحاد النقابات السياحية أن الحجوزات السياحية تراجعت بنسبة 75% بعد الحرب، رغم تسجيل ارتفاع طفيف خلال الأسبوع الأخير من حزيران، مشيرًا إلى أن الضيافة اللبنانية لا تزال تستقطب الزوار، إلا أن العوائق المالية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين أثرا مباشرة في القطاع.

أما نقابة المطاعم والمقاهي والملاهي فوصفت المرحلة بأنها الأسوأ اقتصاديًا في تاريخ لبنان، وأن تآكل الطبقة الوسطى أصاب المحرك الأساسي للاستهلاك والسياحة.

 

ولا تقتصر الأزمة على انخفاض الحجوزات، فبحسب نثابة أصحاب الفنادق فإن عشرات الفنادق الممتدة من بيروت إلى الناقورة باتت خارج الخدمة، فيما تعرض عدد منها للتدمير، وتدهور الواقع في مناطق كانت تشكل وجهات صيفية أساسية، مثل جزين وأجزاء واسعة من البقاع. كما دفعت المؤشرات الأمنية غير المشجعة عدداً من الفنادق الموسمية في جبل لبنان إلى الإقفال الكامل خلال الصيف، بعدما كانت تكتفي سابقًا بالعمل لثلاثة أشهر سنويًا، في ظل أزمة مستمرة منذ عام 2019.

 

وانعكس المشهد الأمني مباشرة على حركة السفر. وتشير نقابة أصحاب مكاتب السياحة والسفر إلى أن غالبية المسافرين باتوا يكتفون بالاستفسار عن الأسعار من دون تثبيت حجوزاتهم، فيما وصلت نسبة إلغاء الحجوزات لدى بعض المكاتب إلى نحو 80%، بالتزامن مع تعليق عدد من شركات الطيران الدولية رحلاتها إلى بيروت، ما حوّل عمل المكاتب من تنظيم الرحلات واستقبال الزوار إلى إدارة عمليات الإلغاء واسترداد قيمة التذاكر.

 

وتؤكد أرقام وزارة السياحة حجم التراجع في حركة الوافدين، إذ لم تتجاوز نسبة القادمين خلال عطلة عيد الأضحى وما تلاها 25% من العدد المتوقع، ما يعني غياب نحو ثلاثة أرباع القوة السياحية المنتظرة. ويعزو العاملون في القطاع ذلك إلى استمرار التوتر الأمني، وارتفاع أسعار تذاكر السفر، إضافة إلى إحجام السياح العرب والأجانب والمغتربين عن السفر إلى بلد يعيش تحت تهديدات عسكرية متواصلة.

 

كما امتدت الخسائر إلى قطاعي المطاعم والمنتجعات. ففي مدينة صيدا مثلًا، انخفض الإقبال على المطاعم بنسبة تراوحت بين 80 و90% مقارنة بالمواسم السابقة، ما دفع مؤسسات عدة إلى تقليص عدد العاملين وخفض النفقات التشغيلية. وفي ساحل الشوف، اقتصرت أعمال المنتجعات على تغطية المصاريف الأساسية، في ظل ضعف الإقبال وارتفاع كلفة التشغيل ونقص الوقود.

 

ولم تسلم السياحة الثقافية من تداعيات الحرب، بعدما اقتربت حركة الزوار إلى المواقع الأثرية في الجنوب من الصفر. وتعرضت معالم تاريخية بارزة لأضرار مباشرة، شملت مدينة صور الأثرية، وقلعتي تبنين وشمع، وقلعة الشقيف، إضافة إلى أضرار في المتحف الوطني في صور، والأعمدة الأثرية والأسوار التاريخية، فضلاً عن تضرر عدد من الكنائس والمساجد الأثرية، ما يشكل خسارة ثقافية وسياحية في آن واحد.

 

وتكشف التقارير الاقتصادية أن لبنان يخسر بين 60 و80 مليون دولار يوميًا خلال فترة التصعيد، فيما شهد القطاع السياحي انهيارًا شبه كامل مع انخفاض نسب الإشغال وإقفال أو تعليق عمل عدد كبير من الفنادق، خصوصًا في الجنوب وجبل لبنان، بالتزامن مع خفض الرواتب وتقليص العمالة لتخفيف الأعباء التشغيلية. وتوقع معهد التمويل الدولي أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16% تبعًا لمدة استمرار النزاع، مع اتساع عجز الحساب الجاري إلى نحو 17% من الناتج المحلي خلال عام 2026، نتيجة تراجع الصادرات والخدمات، وفي مقدمتها السياحة، وارتفاع فاتورة الاستيراد، ما يعكس حجم الضغوط التي يواجهها الاقتصاد اللبناني.

 

ورغم التحديات الأمنية والسياسية، فإن لبنان لا يزال يمتلك مقومات سياحية وطبيعية وثقافية قادرة على استعادة الزوار، إلا أن ذلك يبقى مرهونًا بتوافر الاستقرار الأمني والسياسي، إلى جانب إصلاحات اقتصادية وإدارية تعيد ثقة المستثمرين. كما أنالمغتربين اللبنانيين يشكلون المحرك الأساسي للقطاع، إذ تتراوح تحويلاتهم السنوية بين 6 و7 مليارات دولار، ما يجعل أي تحسن في الظروف الأمنية كفيلًا بإعادة تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية في البلاد.

 


السياحة في لبنان على المحك: 75% من الحجوزات تبخّرت بعد الحرب!