تقارير خاصة

البند 13 من الاتفاق الإطاري تحت المجهر: "مورفين" العلاقات الجديدة هل ينسف حق الضحايا؟

إسلام جحا - خاصّ الفجر

 

يثير البند الثالث عشر من الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، الموقع في واشنطن في 26 حزيران/يونيو، جدلاً قانونياً وحقوقياً متصاعداً يتجاوز النقاش حول ترتيبات الانسحاب والتهدئة إلى مصير ملاحقة الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب. فبينما تؤكد الحكومة اللبنانية أن الاتفاق يهدف إلى استكمال الانسحاب الإسرائيلي

 

وبسط سلطة الدولة في الجنوب، يرى حقوقيون ومنظمات دولية أن صياغة البند قد تُستخدم لتقييد مسارات العدالة الدولية وحقوق الضحايا، في وقت تواصل فيه الأمم المتحدة توثيق آثار الهجمات على المدنيين والبنية التحتية، وسط استمرار الغموض بشأن تنفيذ الاتفاق بعد إعلان إسرائيل تأجيل المرحلة التجريبية للانسحاب وربطها بترتيبات أمنية إضافية.

 

وينص البند الثالث عشر على تعهد لبنان وإسرائيل باتخاذ إجراءات "بحسن نية" تعكس النيات الإيجابية للطرفين، بما في ذلك "وقف جميع الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية". وقد فتح هذا النص الباب أمام تفسيرات متباينة بشأن ما إذا كان يقتصر على منع التصعيد السياسي والقانوني بين الدولتين، أم يمتد ليشمل الدعاوى والإجراءات القضائية المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي.

 

وتتمسك الحكومة اللبنانية بأن الاتفاق يجب أن يُقرأ في إطار هدفه الأساسي، وهو تثبيت وقف الأعمال العدائية، وإنجاز الانسحاب الإسرائيلي، وتمكين الجيش اللبناني من تولي المسؤولية الأمنية الكاملة في الجنوب، بما يعزز سلطة الدولة ويحول دون تجدد المواجهات.

 

في المقابل، ترى أوساط قانونية وحقوقية أن أي تفسير يمنع لبنان من مواصلة المسارات القضائية الدولية أو يحد من حق الضحايا في طلب العدالة، يشكل مساساً بمبدأ المساءلة، ولا سيما إذا اعتُبر وقف "الأعمال الضارة" شاملاً للملاحقات أمام المحاكم والهيئات الدولية.

 

ويستند هذا الموقف إلى طبيعة الانتهاكات التي شهدتها الحرب، وفي مقدمتها التدمير الواسع للبلدات والأحياء السكنية في جنوب لبنان. فوفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن التدمير واسع النطاق للممتلكات، متى انتفت الضرورة العسكرية، قد يرقى إلى جريمة حرب تستوجب المحاسبة.

 

كما يشمل النقاش استهداف الجسور والطرق والمنشآت المدنية، وهي أعيان يحميها القانون الدولي الإنساني، إضافة إلى التهجير الواسع الذي أجبر أكثر من مليون لبناني على مغادرة منازلهم، وهو ما يثير إشكالات قانونية تتعلق بجريمة الترحيل أو النقل القسري للسكان المدنيين عندما يتم بالإكراه أو نتيجة أفعال قسرية.

وتبرز كذلك ملفات استهداف المدنيين، بمن فيهم المسعفون والصحفيون، فضلاً عن الهجمات التي طالت الأعيان المدنية، وهي أفعال قد تندرج، عند توافر أركانها القانونية، ضمن جرائم الحرب التي لا تسقط بالتقادم.

 

وفي موازاة هذا الجدل، أوفدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان فريقاً إلى لبنان لتقييم آثار الهجمات على المدنيين والبنية التحتية، في خطوة تُعد جزءاً من جهود توثيق الانتهاكات التي قد تشكل أساساً لأي إجراءات قانونية مستقبلية.

 

ويرى قانونيون أن الاتفاق الإطاري لا يتمتع، في الأصل، بقوة قانونية إلزامية، بل يندرج ضمن فئة الاتفاقات الدولية غير الملزمة (Acte concerté non conventionnel)، التي قد تنتج آثاراً سياسية لكنها لا تنشئ التزامات قانونية ملزمة كالتي تترتب على المعاهدات الدولية.

 

وانطلاقاً من هذا التوصيف، فإن البند الثالث عشر، رغم تناوله مسألة قانونية تتعلق بعدم اللجوء إلى المحافل القانونية الدولية، لا يستطيع، بحكم طبيعة الاتفاق، إنشاء التزام قانوني يمنع لبنان من سلوك هذا المسار، لأن مثل هذا الالتزام، إذا أريد له أن يكون ملزماً، يفترض أن يرد في معاهدة دولية تستوفي الأصول الدستورية اللبنانية، بما فيها موافقة مجلس النواب عملاً بالمادة 52 من الدستور.

 

ويرى هذا الفريق أن البند الثالث عشر لا يتعارض، في الغالب، مع القواعد الآمرة في القانون الدولي (Jus Cogens)، موضحين أن اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات تبطل فقط المعاهدات التي تجيز انتهاك تلك القواعد، بينما لا يشكل الالتزام المتبادل بين دولتين بعدم مقاضاة إحداهما الأخرى، بحد ذاته، مخالفة لقاعدة آمرة، فضلاً عن أن الاتفاق الإطاري غير ملزم قانوناً.

 

وفي المقابل، حذرت ست منظمات حقوقية، بينها منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، ومراسلون بلا حدود، واتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، من أن الاتفاق قد يكرس الإفلات من العقاب ويمنع ضحايا الجرائم المشمولة بالقانون الدولي من السعي إلى تحقيق العدالة.

 

وقالت المنظمات، في بيان مشترك، إن البند الثالث عشر قد يُفسر على أنه يقيد اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، بما يتعارض مع التزامات الدول بالسعي إلى المساءلة عن الجرائم الخطيرة، كما اعتبرت أن الاتفاق يتضمن قبولاً ضمنياً باستمرار التهجير القسري في أجزاء من جنوب لبنان.

 

ودعت المنظمات السلطات اللبنانية إلى منح المحكمة الجنائية الدولية صلاحية التحقيق في الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، والانضمام إلى نظام روما الأساسي، وسن تشريعات وطنية تجرم جرائم الحرب والجرائم الدولية، مؤكدة أن أي تسوية سياسية لا ينبغي أن تأتي على حساب حقوق الضحايا في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة وجبر الضرر، ومشددة على أن "لا سلام من دون عدالة".

 


البند 13 من الاتفاق الإطاري تحت المجهر: "مورفين" العلاقات الجديدة هل ينسف حق الضحايا؟