تقارير خاصة

الإيجارات تحلّق: من الحرب إلى أزمة السكن... النازحون يدفعون الثمن مرتين!

إسلام جحا - خاص الفجر

 

فرضت الحرب الإسرائيلية على لبنان موجة نزوح كبيرة خلّفت أزمة سكن خانقة رفعت الإيجارات إلى مستويات غير مسبوقة في المناطق الآمنة، فتحولت إلى سوق بلا ضوابط، فيما لا يزال مئات آلاف النازحين عاجزين عن العودة إلى منازلهم.

 

وبينما تتواصل العودة التدريجية إلى بعض القرى والبلدات الجنوبية بعد تراجع وتيرة العمليات العسكرية، فإن أزمة النزوح لا تزال تلقي بثقلها على مختلف المناطق اللبنانية. وتشير أرقام وزارة الشؤون الاجتماعية إلى أن عدد النازحين اللبنانيين بلغ خلال ذروة الأزمة في منتصف نيسان/أبريل 2026 نحو مليون و208 آلاف و869 نازحًا، قبل أن يتراجع إلى نحو 963 ألفًا و497 نازحًا، أي ما يعادل قرابة 16 في المئة من سكان لبنان، رغم عودة قسم من الأهالي إلى مناطقهم الأصلية.

وتوزع النازحون على 26 قضاء و865 نطاقًا عقاريًا وبلدة، إلا أن العبء الأكبر تركز في عدد محدود من المناطق. وتستضيف بيروت وحدها 233 ألفًا و939 نازحًا، ما يمثل 24.3 في المئة من إجمالي النازحين، تليها عاليه بـ168 ألفًا و389 نازحًا، ثم الشوف بـ166 ألفًا و932 نازحًا، وصيدا بـ135 ألفًا و340 نازحًا، وبعبدا بـ39 ألفًا و351 نازحًا. وتشير المعطيات إلى أن هذه الأقضية الخمسة تحتضن وحدها نحو 76 في المئة من إجمالي النازحين في البلاد.

 

هذا الضغط الديموغرافي الكبير انعكس مباشرة على سوق الإيجارات، خصوصًا في صيدا وبيروت وجبل لبنان، حيث ارتفع الطلب على الشقق بشكل يفوق القدرة الاستيعابية للسوق. ومع تقلص العرض وازدياد الحاجة إلى السكن، شهدت الأسعار قفزات حادة دفعت آلاف العائلات إلى العجز عن تأمين مسكن مناسب.

 

 

وتحوّلت رحلة البحث عن منزل إلى أزمة بحد ذاتها، بعدما ارتفعت إيجارات الشقق التي كانت تُستأجر سابقًا بنحو 600 دولار شهريًا إلى ألف دولار أو أكثر، فيما تضاف إلى المبلغ عمولات المكاتب العقارية والوسطاء لتتجاوز الكلفة الإجمالية أحيانًا 1500 دولار قبل الانتقال إلى الشقة.

ويؤكد عاملون في القطاع العقاري أن السؤال الأكثر تداولًا بات يتمحور حول توافر شقق للإيجار، في ظل ندرة واضحة في الوحدات السكنية المتاحة. ووفق تقديرات عقارية، كانت إيجارات الشقق في صيدا قبل الأزمة تتراوح بين 300 و500 دولار شهريًا كحد أقصى، لكنها ارتفعت اليوم إلى ما بين 700 و800 دولار، فيما تصل بعض الشقق إلى 1200 دولار شهريًا، فضلًا عن اشتراط بعض المالكين دفع ستة أشهر مسبقًا أو تقديم تأمينات مالية تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر.

 

وأمام هذا الواقع، وجدت عائلات كثيرة نفسها أمام خيارات قاسية، فإما دفع إيجارات تفوق قدرتها المالية أو البقاء في مراكز الإيواء الجماعية والمدارس والمقار التابعة للجمعيات، أو اللجوء إلى الأقارب. كما اضطرت بعض الأسر التي تمكنت من استئجار مساكن مؤقتة إلى مغادرتها لاحقًا بسبب العجز عن مواصلة الدفع والعودة مجددًا إلى مراكز الإيواء.

وتكشف الأرقام الرسمية أن نحو 55 في المئة من النازحين يقيمون حاليًا في مساكن مستأجرة، ما يفسر حجم الضغط على السوق العقارية.

 

في المقابل، يعيش 26 في المئة لدى عائلات مضيفة أو ضمن ترتيبات استضافة مختلفة، بينما يقيم 14 في المئة في مراكز الإيواء الجماعي، أي ما يقارب 135 ألفًا و669 شخصًا موزعين على 636 مركز إيواء لا تزال تستقبل النازحين. كما يقيم نحو 3 في المئة في مساكن ثانية، فيما يعيش قرابة 2 في المئة في ظروف سكنية هشة أو غير آمنة.

 

وخلال الأزمة، بلغ العدد الأقصى لمراكز الإيواء الجماعي التي جرى تشغيلها 686 مركزًا، قبل أن يتراجع تدريجيًا مع تحسن الأوضاع الأمنية في بعض المناطق وبدء عودة قسم من السكان إلى بلداتهم.

 

 

ويرى اقتصاديون أن أزمة الإيجارات الحالية ليست مجرد نتيجة طبيعية لاختلال العرض والطلب، بل تعكس أيضًا استغلالًا للظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، في ظل غياب رقابة فعالة على الأسعار. فالكثير من المالكين باتوا يحددون الأسعار بصورة فردية، مستفيدين من حاجة النازحين الملحة إلى السكن، الأمر الذي أدى إلى فوضى في السوق وارتفاعات كبيرة في الأسعار داخل المناطق المصنفة آمنة.

 

وتشير التقديرات إلى أن الدولة اللبنانية استنفدت إلى حد كبير إمكاناتها في ملف الإيواء، خصوصًا مع نزوح ما يقارب 2.2 مليون شخص خلال مراحل مختلفة من الحرب. كما أن نسبة من النازحين رفضت الانتقال إلى مراكز الإيواء أو المدارس المخصصة لذلك، ما زاد الضغط على سوق الإيجارات الخاصة.

وفي موازاة ذلك، لا تزال عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية تواجه عقبات عديدة. فقد سجلت أقضية بعلبك وبعبدا وصيدا وعاليه والنبطية أعلى نسب العودة، مع عودة نحو 140 ألف شخص إجمالًا، بينهم 49 ألفًا و241 إلى بعلبك، و41 ألفًا و840 إلى بعبدا، و20 ألفًا و551 إلى صيدا، و13 ألفًا و500 إلى عاليه، و10 آلاف و30 إلى النبطية.

 

 

وفي ظل الاضطرابات، تبقى وتيرة العودة بطيئة نتيجة استمرار المخاوف الأمنية في بعض المناطق، والأضرار الواسعة التي لحقت بالمنازل والبنى التحتية، فضلًا عن صعوبة استعادة مصادر الدخل والخدمات الأساسية.


الإيجارات تحلّق: من الحرب إلى أزمة السكن... النازحون يدفعون الثمن مرتين!