لبنان في مواجهة نتائج قمة ترامب - نتنياهو _


العميد الركن نزار عبد القادر

تعدَّدت القراءات الاستشرافية لخبراء السياسة في الشرق الأوسط للنتائج التي ستسفر عنها القمة السادسة التي جمعت بين الرئيس الاميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو في المنتجع الرئاسي في فلوريدا، ولدرجة ذهب فيها بعض هؤلاء الخبراء الى توقع ظهور خلافات حادة بينهما، وذلك ربطاً بالمعلومات التي تحدثت بأن نتنياهو يحمل معه مشروعاً بديلاً لخطة ترامب في مرحلتها الثانية في غزة .
وتوقع عدد من هؤلاء الخبراء حصول خلافات حول سياسة التعامل مع ايران بعد توافر معلومات اسرائيلية عن بناء ايران واسلحتها الصاروخية من جديد مع التركيز خاصة على الجيل المتطور منها، والذي اثبت قدرته وجدواه في اختراق شبكة الدفاع الاسرائيلية واصابة عدد من الاهداف الحيوية وذات القيمة العالية داخل تل أبيب نفسها.
كان من الطبيعي توقع حصول مفاوضات صعبة ومعقدة تُفضي إلى اتخاذ قرارات خطيرة لمواجهة التطورات المرتقبة في كل من غزة ولبنان وايران.
فالمرحلة الأولى من خطة ترامب لانتهاء الحرب في غزة، والتي اعلنت في شهر ايلول الماضي قد انتهت بالنسبة للرؤية الاميركية، وذلك بعد استعادة جميع الأسرى الإسرائيليين الأحياء وجثامين القتلى باستثناء واحد منها، مع تسهيل ظاهر لحركة تموين سكان القطاع من قبل اسرائيل.
ولم تحقق هذه الانجازات إلا نتيجة الجهود والضغوط الاميركية المكثفة والمباشرة او عبر ضغوط الوسطاء البارزين اي مصر وقطر وتركيا، هذا بالاضافة لوجود رقابة اميركية مباشرة على تنفيذ هذه المرحلة خطوة بخطوة عبر مركز التنسيق المدني - العسكري الاميركي الموجود في كريات غات في النقب، ومن خلال إيفاد عدد من المساعدين والمستشارين الرئاسيين إلى اسرائيل.
لكن ما زال هناك بعض العقبات لإنهاء المرحلة الأولى ومنها فتح معبر رفح بالاتجاهين، والذي ترفض مصر افتتاحه للعبور من جهة واحدة وفق الرؤية الاسرائيلية القائلة بالخروج دون العودة .
بالرغم من الموقف الاسرائيلي المتشدد حول نزع سلاح حماس وتفكيك بينتها العسكرية، فإن الاميركيين يرون بأن الامور لا تجري لصالح حماس، وبأن ما كل ما يجري سيؤدي حتما الى اضعافها، وتتعارض الرؤية الاسرائيلية حول حماس مع الرؤية الاميركية، وهم لا يجدون حرجاً في اعلان ذلك رسمياً وامام جميع المفاوضين والمستشارين الرئاسيين.
تعلق اسرائيل اهمية كبرى على تحقيق نزع سلاح حماس وهي تلحُّ على تحديد مهلة زمنية واضحة لتحقيق ذلك، مع الاحتفاظ بحق القوات الاسرائيلية للقيام بعمليات عسكرية في عمق المناطق الواقعة غربي الخط الاصفر، ولا يكترث نتنياهو اذا ادت مطالبه المتشددة الى تفشيل الجهود المبذولة من المفاوضين الاميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، ووفق معلومات موقع «اكسيوس» فإن المطالب الاسرائيلية المتشددة قد تسببت بتخريب علاقات نتنياهو مع اركان ومستشاري ترامب، بمن فيهم وزير الخارجية ماركو روبيو.
من المؤكد ايضاً ان محادثات ترامب - نتنياهو في القمة حول ايران وحزب لله لم تكن سهلة، حيث تختلف الاولويات والاجندة الاميركية على هاتين الجبهتين كلها عن الرؤية الاسرائيلية التي تطرح حلولاً جذرية، من خلال الدعوة لعمليات عسكرية حاسمة ضد ايران وحزب لله. ويبدو جلياً بأن اسرائيل لا تعتقد بأنه سيكون لدى الحكومة اللبنانية القدرة على حسم موضوع نزع سلاح حزب لله، رغم اعلانها اتخاذ قرار حصرية السلاح واعلان رئيس الحكومة الاستعداد لبدء المرحلة الثانية شمالي نهر الليطاني. وتذهب اسرائيل في مواقفها المعلنة للقول بأن الجيش اللبناني لن يكون قادراً على مواجهة قدرات حزب لله العسكرية في حال الذهاب الى مواجهة بين الطرفين شمالي الليطاني، وبأن بمقدور البيئة الشيعية اعادة لبنان نحو حرب اهلية جديدة، في الوقت الذي ترغب فيه الادارة الاميركية تجديد الفرصة امام الحكومة اللبنانية لمواجهة المواقف المتكررة لقيادة حزب لله في رفض نزع سلاحها، واعتبار ان الحكومة اللبنانية تنفذ مشروعاً اميركياً وصهيونياً، وأن عليها التراجع عن مطلب حصرية السلاح..
من الواقعي والطبيعي ان يرى ترامب في المؤتمر الصحافي الأخير مع نتنياهو بأن حزب لله يتصرف بشكل سيِّىء، وأن يعلن اصراره على نزع سلاح الحزب بأية وسيلة ممكنة، كما ظهر جلياً عدم اعتراض الرئيس الاميركي على العمليات التي تنفذها اسرائيل في لبنان منذ اعلان وقف اطلاق النار، والتي أودت بحياة اكثر من 400 عنصر وقيادي في حزب لله، ويبدو جلياً من المؤتمر الصحفي بأن أميركا ما زالت تعطي الضوء الأخضر لاستمرار العمليات الاسرائيلية ضد حزب لله.
لم يتضح من المؤتمر الصحافي في فلوريدا مدى نجاح نتنياهو في اقناع ترامب بخططه لمعالجة الوضع الايراني، واعتماد المقاربة الداعية لضرب ايران من جديد. لكن هذا لا يعني في رأينا بأنه لا يمكن لترامب ان يغيّر قراره في المستقبل وذلك على غرار ما حدث في الهجوم السابق ضد النووي، فالعودة الى تنسيق المواقف بين واشنطن وتل ابيب ليس مستحيلاً او بعيداً.
في هذه القمة يبدو جلياً مدى تعارض الموقف الاميركي مع الموقف الاسرائيلي حول سوريا، حيث ذهب الرئيس ترامب الى التعبير عن ثقته بالحكومة السورية، وبالرئيس احمد الشرع، حيث اشاد بشجاعته وحكمته، متوقعاً حصول تقدم سريع لحصول اتفاقية ترسي الامن والاستقرار بين سوريا واسرائيل.
في النهاية لا يبدو بأن نتنياهو قد نجح في ما كان يصبو الى تحقيقه مع ترامب، وذلك انطلاقاً من اختلاف رؤيته الشخصية لمستقبل المنطقة، وانطلاقاً من تقييم نتائج الحرب والتي لم تشكل نصراً حاسماً لإسرائيل سواءٌ في غزة أو لبنان .
بعد هذه القمة يقف لبنان أمام خيارين، إما أن يحسم أمره لنزع السلاح ويكسب ثقة ترامب والعالم، وإما أن يتلكأ في مواجهة أفكار حزب لله ويتحمل نتائج حرب استنزاف طويلة.

صحيفة اللواء

لبنان في مواجهة نتائج قمة ترامب - نتنياهو _ العميد الركن نزار عبد القادر