تمويل الرواتب من جيوب المواطنين! _ د. وائل نجم


د. وائل نجم

تحدّ جديد واجهته الحكومة أضيف إلى تحدّيات كثيرة ولكن هذه المرّة مع المواطنين، وفي الشارع. فقد لجأت الحكومة لحلّ مشكلتها مع الموظفين المتقاعدين من العسكريين بشكل أساسي الذين ضغطوا وطالبوا خلال جلسة مناقشة قانون الموازنة العامة في المجلس النيابي الشهر الماضي بزيادة على رواتبهم، وقد وعدتهم الحكومة بذلك، لجأت لتمويل هذه الزيادة التي ستدفعها إلى الموظفين في القطاع العام، لفرض ضريبة جديدة على صفيحة البنزين فزادت عليها ثلاثمئة ألف ليرة، كما زادت 1% على الضريبة على القيمة المضافة (TVA) لتصبح 12% وهو سنعكس بكلّ تأكيد على أسعار كلّ شيئ في البلد، وبالتالي فإنّ ما ظنّته الحكومة حلّاً لمشكلة رواتب المتقاعدين والموظفين سيكون كرة ثلج من المشاكل ستكبر كلّما تدحرجت وهذا باعتقاد وإقرار خبراء الاقتصاد والعارفين بهذا المجال.

الزيادة الجديدة على سعر صفيحة البنزين سيزيد أسعار النقل ومعه ستزيد كل أسعار السلع، خاصة وأنّ الآليات المستخدمة في لبنان لنقل البضائع وانتقال الأفراد تعمل بشكل أساسي على البنزين، وهذا سيعني ارتفاع أسعار السلع، ومن سيدفع هذه الزيادة سيكون المواطن الذي لا يجد وظيفة عمل كريمة ولائقة بحياة كريمة، ولا يتقاضى راتباً يكفيه حتى منتصف كل شهر، ولا يجد وسيلة وطريقة لتعليم أطفاله في المدارس الخاصة في ظلّ الإضراب شبه الدائم في المدارس الحكومية، أو نظراً لازدحامها بالتلاميذ. ولا يجد المواطن قدرة على الطبابة والاستشفاء في ظلّ الغلاء الفاحش في المستشفيات وغياب أيّ رقابة حقيقية وجدّية على عمل هذا القطاع، وفوق كل ذلك تأتي الحكومة لتموّل الزيادة على رواتب الموظفين في القطاع العام من جيوب المواطنين المرهقين أصلاً بالديون والغارقين بالهموم والعاملين طيلة الوقت لتأمين الحدّ الأدنى من العيش الكريم.

لم تكن الحكومة موفّقة في هذه القرارات غير الشعبية وغير الحكيمة، بل ستجد نفسها بعد فترة أمام أزمة أكبر حيث ستجد أنّ عموم الشعب اللبناني سيندفع إلى الشارع للتعبير عن حجم الأزمة والمأزق الذي يعيشه، وليس فقط العسكريين المتقاعدين الذين تُعتبر أزمتهم ومشكلتهم أقلّ بكثير من أزمة ومشكلة المواطنين الذين يبحثون عن أيّة فرصة عمل، وبقبول أحياناً بأقلّ البدلات المالية على الأعمال التي ينجزونها لأنّهم يعتبرون ذلك أفضل من الجلوس والانتظار؛ هؤلاء – بحسب قرار الحكومة – سيموّلون الزيادة على رواتب المتقاعدين وبقية الموظفين في القطاع العام، وكأنّ الدولة تتعامل مع قطاع الموظفين كما لو أنّها ربّ العمل لهم، ولكنها غير مسؤولة عن بقية المواطنين، وغير معنية بتأمين الحلول لمشاكلهم وأزماتهم، كما لو أنّها مسؤولة عن جزء من اللبنانيين، وغير مسؤولة عن جزء آخر، بل أكثر من ذلك تستهدفهم باستهداف جيوبهم لأخذ جزء من أموالهم للقطاع الذي تظنّ أنّها مسؤولة عنه، وتريد بعد ذلك أن تكون ثقة المواطنين بالدولة تامة وكاملة، بل تريد منهم أن لا يشرّقوا ويغرّبوا في علاقاتهم وفي ولاءاتهم لدول ومؤسسات أخرى خارج إطار الحدود والسيادة!!

الدولة والحكومة المسؤولة عن السلطة فيها، مسؤولة عن كلّ اللبنانيين دون استثناء، من يعمل في مؤسسات الدولة ومن يعمل خارجها، لأنّ الجميع يدفع الضرائب لها، وإلاّ فإنّ ثقة المواطنين بالدولة تهتزّ، وإذا ما اهتزت شرّعت الأبواب والنوافذ للخراب والفوضى. الحكومة صاحبة قرار تمويل الزيادة على رواتب الموظفين من جيوب المواطنين مطالبة بإعادة النظر بهذا القرار والعمل لتأمين الزيادة للقطاعين العام والخاص بعيداً عن الإضرار بجزء منهم لحساب جزء آخر، والتصحيح ليس عيباً، والتراجع عن الخطأ ليس جريمة، تداركاً لما يمكن أن يحدث في البلد ويجعله يرتكس أكثر في الأزمات، وقبل فوات الأوان.

موقع مجلة الأمان
تمويل الرواتب من جيوب المواطنين! _ د. وائل نجم