ترامب نحو الحرب العالمية الثالثة _ سامح راشد


سامح راشد

تخلى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في ولايته الرئاسية الثانية، عن مفرداتٍ كان يستخدمها خلال فترته الرئاسية الأولى (2017 – 2020). من أبرز تلك المفردات "الضغط الأقصى" التي كان ترامب يشير بها في خطاباته إلى دول محدّدة، خصوصاً إيران. ولم تصل تلك الضغوط "القصوى" إلى حدّ الأعمال العسكرية المباشرة. وفي ولايته الرئاسية الحالية، لم يلجأ ترامب، ولو مرّة واحدة، إلى عبارة "الضغط الأقصى"، فأصبح يتبنّى ألفاظاً استمالِيّة، فيصف الشعب الإيراني بأنه "رائع"، وأن المحادثة الهاتفية مع الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، كانت "مثمرةً للغاية". وعلى التوازي مع ذلك الخطاب الناعم، يمارس ضغوطاً عملية باستخدام القوة العسكرية؛ فينظّم تموضع قواته ويضع القواعد الأميركية في الشرق الأوسط في حالة تأهّب قصوى، بعد عمليات عسكرية في اليمن وسورية وجنوب لبنان. أمّا فنزويلا، فقد حاصرها بقطع بحرية ضخمة قبل مهاتفته مادورو، ثم أرسل قوة دلتا لتختطفه بعدها. هذه هي الترجمة العملية للضغوط القصوى التي كان ترامب يردّدها كثيراً في ولايته الأولى. والخطير أنه بات يمارسها عملياً بأريحية كاملة، وبلا مراعاة لأيّ قواعد أخلاقية أو أطر قانونية أو اعتبارات سياسية.
وبعد أن استدرج ترامب إيران إلى مواجهة الاثني عشر يوماً في صيف العام الماضي (2025)، ثم خدع مادورو وحلفاءه الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني)، ها هو يعود فيمارس اللعبة ذاتها مع طهران مجدّداً، على مستوى أعمق وبمخاطرة أعلى. فالحشد العسكري المستمرّ منذ أسابيع في مياه الشرق الأوسط وبعض دوله غير مسبوق، فاحتلال العراق عام 2003 لم يتطلّب ذلك الحجم من الحشود العسكرية، خصوصاً في نطاق الأساطيل وحاملات الطائرات. كما أن بعضها حديث الظهور والاستخدام، مثل الأسلحة الإلكترونية الذكية، والقاذفات الثقيلة القادرة على ضرب وإصابة أهداف منيعة تحت الأرض أو شديدة الحصانة.
وفضلاً عن التكلفة الاقتصادية الباهظة التي يتحمّلها في النهاية دافع الضرائب الأميركي، ليس من المتصوّر أن يسحب دونالد ترامب تلك الحشود ويقف موقف المتراجع أمام الأميركيين والعالم، كما أن توريط واشنطن في حربٍ عنيفةٍ مع إيران هدف استراتيجي لتل أبيب، وجوهري شخصياً لبنيامين نتنياهو الذي لم يتوقّف يوماً عن تحريض ترامب وإدارته على ذلك. وإيران وحلفاؤها، وكذلك دول الشرق الأوسط الحريصة على عدم إشعال المنطقة، يدركون جميعاً أن تحرّكات واشنطن العسكرية ستنتهي على الأرجح إلى ضربة عنيفة لأهداف ومواقع وقدرات إيرانية استراتيجية.
وفي حين تبذل بعض دول المنطقة (بعضها فقط) جهوداً حثيثةً لتجنّب هذا التوجّه المتسارع نحو تفجير المنطقة، يبدو أن إيران وحلفاءها العالميين يستشعرون مدى خطورة الموقف. فأيّ عملية عسكرية شاملة أعنف وأوسع من ضربة يونيو (2025) ستكون كارثية على استقرار المنطقة ومصالح أولئك الحلفاء. وفي إعلان إيران أنها تبدأ اليوم الاثنين مناورات عسكرية موسّعة مع الصين وروسيا رسالةٌ قويةٌ موجّهةٌ مباشرةً من الدول الثلاث إلى واشنطن، بأن موسكو وبكين لن تقفا عاجزتَين أمام تدمير إيران أو تغيير نظام الحكم هناك. وبعد ما تعرّضت له إيران طوال عامَين باستهداف متصاعد من اغتيالات، وكسر الأذرع الإقليمية، وخروج من سورية، وصولاً إلى قصف منشآتها النووية، لن تسمح روسيا والصين لترامب بالمزيد.
الكارثة وشيكة إن لم يفهم ترامب موقفي بكين وموسكو، وتجاهل مصالحهما. فإن لم يلجم اندفاعه نحو ضرب إيران، فتلك شرارة تكفي لإشعال حرب عالمية ثالثة، تبدأ من طهران فتجتاح الشرق الأوسط كلّه، وتنخرط فيها القوى الكبرى من الشرق والغرب. وهذا ما يخشاه العالم بالتأكيد، ربما باستثناء ترامب الذي يرسم الخطوط الحمراء ولا يراها.

العربي الجديد
ترامب نحو الحرب العالمية الثالثة _ سامح راشد