"انهيار" الذهب _ أنطوان فرح


أنطوان فرح

لم يعد موضوع الذهب مسألة بيع أو شراء، بل تحوّل إلى ملف وطني ساخن، أو هكذا يُفترض، بعد اختراق هذه الثروة الوطنية سقف الـ 50 مليار دولار، يوم الخميس في 29 كانون الثاني الماضي، وبلوغها مستوى 54 مليار دولار. لكنها عادت وهبطت إلى حوالى 47 مليار دولار في اليوم التالي.

عندما "يربح" البلد حوالى 7 مليارات دولار في يومين، ومن ثمّ يخسر المبلغ نفسه في اليوم الثالث، يصبح من غير المسموح التعاطي مع هذا الواقع وكأنه حالة عادية، لا تستوجب اتخاذ أي إجراء. لم تعد القضية تتعلّق بالمكابرة أو الشعبوية. والموضوع لا يمكن حصره بالسؤال ما إذا كان من الأفضل أن نبيع اليوم الذهب، أم علينا الانتظار لأن المسار الصعودي سيستمر في الأيام المقبلة.

وبالمناسبة، كل التحليلات التي جرى تقديمها لتفسير الهبوط الدراماتيكي الذي سجله المعدن الأصفر في اليوم الأخير من كانون الثاني قبل عطلة نهاية الأسبوع، ليست بالضرورة دقيقة، ولو أنها منطقية في طريقة التحليل، وسرد الأحداث. ومن المبالغة ربط الهبوط، الذي قد يكون ظرفيًا، بهبوط أسعار أسهم شركات التكنولوجيا، واضطرار المضاربين إلى بيع محافظهم من الذهب، أو جزء منها لتغطية الخسائر (margin call). كذلك لا يمكن حصر الأسباب بالإجراءات المستجدة التي اتخذتها إدارات أسواق المال والبورصات، من خلال خفض نسبة الرافعة (leverage) من 20 % إلى 5 % في بعض الأحيان. وبالمناسبة، هذه الاجراءات تتخذها هذه الجهات دائمًا عندما يصبح التداول في منتج معين مضطربًا (up &down)

لو أردنا حصر أسباب الهبوط السريع بهذه العوامل، علينا أن نشرح في المقابل لماذا ارتفع المعدن الأصفر بهذه الطريقة السريعة في خلال اليومين اللذين سبقا "الانهيار" الصغير.

هذا الكلام يعني ببساطة أن تحليل الأسباب للهبوط أو الارتفاع حاضر دائمًا، لكن ما هو غائب فعليًا القدرة على الجزم بالمسار المستقبلي لبورصة الذهب. من أسهل الأمور، شرح أسباب خسارة الحرب أو كسبها، بعد انتهائها، ومن أصعب الأمور الجزم بنتيجة الحروب قبل وقوعها، خصوصًا عندما تكون موازين القوى شبه متكافئة.

ما يعنينا في موضوع الذهب، هو أننا دخلنا في مرحلة باتت فيها الأرباح أو الخسائر التي قد نحققها أكبر وأخطر من أن نكتفي باتخاذ موقف المتفرّج منها. ما ربحناه ومن ثم خسرناه في يومين (7 مليارات دولار) يتجاوز حجم موازنة 2026. (حوالى 5,8 مليارات)، وبالتالي، أصبح من غير المسموح، بل جريمة موصوفة، أن نكتفي بالمتابعة السلبية لما يجري في الأسواق العالمية. حان الوقت لتحرير الذهب اولًا، ومن ثم وضعه ضمن هيكل تنظيمي يسمح بإدارة هذه الثروة وفق المعايير العالمية المعتمدة، بحيث أن عمليات التحوّط والبيع والشراء تُنجز وفق المعايير المتعارف عليها، ولا نحتاج إلى اختراع البارود لكي ننجح في هذه المهمة، إذ يكفي أن نستنسخ ما هو معتمد في بيوتات المال العالمية، ولا مانع من الاستعانة بخبرات أجنبية في الإدارة، إذا تبين وجود ضرورة لذلك، لأن الهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح، وتحاشي ما أمكن من الخسائر، ضمن قواعد السوق طبعًا، والتي تعترف بوجود أرباح وخسائر بشكل مستدام، في إدارة المحافظ والثروات.

ومن يتساءل ما إذا كان الهبوط الأخير في أسعار الذهب هو بداية مسار هبوطي طويل الأمد، أم أنه مجرد تصحيح ظرفي ستليه مرحلة من معاودة الارتفاع، وهذا يحصل دائمًا في الأسواق والبورصات، لا يوجد جواب أكيد. ومن يدّعي عكس ذلك، سواء من المحللين أو المؤسسات المالية الدولية، إنما يتكهّن فقط، ولو أنه يقدّم تحليلات منطقية لتكهناته. لكن قمة الجنون أن تعتمد السلطة اللبنانية موقف المتفرّج على ما يجري، وأن تكتفي بتسجيل الأرقام في خانة الأرباح في اليوم الأول، ونقلها إلى خانة الخسائر في اليوم التالي.

صحيفة نداء الوطن
"انهيار" الذهب _ أنطوان فرح